رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن مشهد استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للفنان محمد سلام مجرد لحظة إنسانية عابرة في احتفالية رسمية، بل كان في عمقه السياسي والثقافي إشارة رمزية إلى أن الدولة بدأت تعيد ضبط بوصلة تواصلها مع الناس.

ففي بلد مثل مصر، حيث تختلط السياسة بالحياة اليومية وتتحول إلى جزء من المزاج العام، لا تمر الإيماءات البسيطة مرور الكرام. ابتسامة الرئيس وتعليقه العفوي على فنانٍ محبوبٍ من الشارع كانت رسالة مضمونة الوصول إلى ملايين المصريين الذين يبحثون عن الدفء الإنساني وسط قسوة الواقع.

محمد سلام، الذي غاب عن الساحة الفنية لأكثر من عامين بعد خلافات تتعلق بمشاركته في فعاليات خارجية، عاد اليوم إلى الواجهة في لحظة تكشف أن الوجوه البسيطة هي الأكثر قدرة على اختراق الحواجز الرسمية. فحين يضحك الناس من قلوبهم لفنانٍ لا يدّعي بطولة ولا يتقمص النخبوية، فإنهم في الواقع يعلنون تفضيلهم للبسيط الصادق على المتكلف البعيد. وهنا بالضبط تكمن الرسالة التي التقطتها السلطة — ربما دون أن تعلنها — أن المزاج الشعبي لم يعد أسير الخطاب الكبير، بل الباحث عن الألفة وعن الوجوه التي تشبهه وتقول ما يريد دون أن ترفع صوتها.

الخطأ الذي تقع فيه كثير من الأنظمة أنها تظن أن استطلاعات الرأي تعني فهم الناس، بينما الحقيقة أن الوجدان الجمعي يُقاس بالفن، بالأغنية التي يرددها المارة، وبالمسلسل الذي يجلس أمامه ملايين المصريين بعد يومٍ مرهق. ومن هذه الزاوية يصبح مشهد استقبال فنان شعبي في محفل رسمي تصحيحًا رمزيًا لمسار العلاقة بين الدولة والشارع. فالفن هو أصدق ما يعكس اتجاهات المزاج العام، وهو بوابة يمكن من خلالها ترميم الثقة المتآكلة بين السلطة والجمهور.

أن تبتسم السلطة لفنان بسيط لا يعني نزولها من عليائها، بل عودتها إلى معناها الحقيقي: خدمة الناس والتعبير عنهم. فالسياسة ليست دائمًا صرامة، بل أحيانًا حنان في موضعه، وتواضع في لحظة ذكية. لقد كان المشهد رسالة بلا خطبة: أن الدولة تعرف أن المصريين سئموا الشعارات، ويريدون أن يشعروا بأن من يحكمهم يراهم ويسمعهم ويتحدث بلغتهم.

في المشهد الصغير لمحمد سلام، يمكن قراءة مراجعة كبيرة في طريقة إدارة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ابتسامة في احتفال قد تكون أخف من الهواء، لكنها حين تصدر في لحظة صحيحة، تحمل ثِقَل السياسة كلها. وهنا فقط يمكن القول إن السلطة بدأت — ولو متأخرًا — تصغي لنبض الناس، لا بضجيج الخطب، بل بصوت الفن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء