108 أعوام على وعد بلفور المشؤوم.. بداية مأساة قرن من الاغتصاب والتشريد
في الثاني من نوفمبر عام 1917، صدر ما عُرف لاحقًا بـ "وعد بلفور"، ذلك التصريح الذي غيّر وجه التاريخ، وأسس لمأساة مستمرة منذ أكثر من قرن، عندما منحت بريطانيا - بجرّة قلم - وطنًا قوميًا لليهود على أرضٍ ليست لها، وعلى حساب شعبٍ متجذرٍ في فلسطين منذ آلاف السنين.
أخطر مشروع استعماري شهدته المنطقة
ففي ذلك اليوم، وجّه وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد روتشيلد، أحد أبرز زعماء الحركة الصهيونية، أعلن فيها تعهد حكومة بلاده بـ"إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين"، فاتحًا الباب أمام أخطر مشروع استعماري شهدته المنطقة، وممهّدًا الطريق أمام ولادة كيان غريب زرع في قلب الشرق الأوسط، وفقًا لوكالة وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا".
من وعد بريطاني إلى مشروع غربي متكامل
لم يكن وعد بلفور خطوة فردية أو قرارًا بريطانيًا معزولًا، بل كان جزءًا من مخطط غربي متكامل هدف إلى ترسيخ الوجود الصهيوني في المنطقة بما يخدم المصالح الاستعمارية للدول الكبرى.
فقد حظي الإعلان بمباركة الولايات المتحدة والرئيس وودرو ولسون، كما وافقت عليه فرنسا وإيطاليا عام 1918، وتبعتها اليابان لاحقًا. وفي مؤتمر سان ريمو عام 1920، تم إقرار الانتداب البريطاني على فلسطين رسميًا، ليُدرج وعد بلفور ضمن وثائقه التنفيذية، ما جعله التزامًا دوليًا أكثر من كونه وعدًا سياسيًا.

ردّ عربي غاضب ووعود بريطانية خادعة
قوبل الإعلان بردّ فعل عربي غاضب، اتّسم بالدهشة والرفض القاطع، إذ رأت فيه الشعوب العربية خيانةً مزدوجة لعهود بريطانيا التي قطعتها للشريف حسين بدعم الاستقلال العربي.
وسعيًا لامتصاص الغضب، أرسلت لندن رسائل مطمئنة تزعم أنها لن تسمح باستيطان يهودي يضر بمصالح السكان العرب، لكنها في الواقع شرعت في تمهيد الأرض أمام المشروع الصهيوني، فسهّلت هجرة اليهود من أوروبا الشرقية وروسيا إلى فلسطين، وقدّمت لهم الدعم والحماية، بينما كانت تضيّق الخناق على الفلسطينيين في أرضهم.
شعب يقاوم ووعد لا يموت
لم يقف الشعب الفلسطيني مكتوف الأيدي أمام المؤامرة، بل واجهها بثورات متتالية أبرزها ثورة البراق عام 1929، والثورة الكبرى عام 1936، مؤكدًا رفضه القاطع لأي وجود استيطاني يهدف إلى طمس هويته الوطنية وسرقة أرضه.
الوعد المشؤوم.. حجر الأساس لقيام إسرائيل
استندت الحركة الصهيونية العالمية إلى وعد بلفور لتبرير مطالبها بإقامة دولة يهودية، معتبرةً إياه "الأساس القانوني والسياسي" لمشروعها.
وقد تجلّت أهميته لاحقًا في وثيقة استقلال إسرائيل عام 1948، التي أشارت صراحة إلى "الاعتراف بوعد بلفور" باعتباره أحد ركائز شرعية قيام الدولة العبرية.
وهكذا، استغلّ اليهود هذا التصريح البريطاني القصير، ثم صك الانتداب وقرار التقسيم الأممي عام 1947، ليعلنوا قيام إسرائيل في 15 مايو 1948، بدعم وضغط من القوى الكبرى، لتصبح أول كيان سياسي في التاريخ الحديث يقوم على أرض مسلوبة ويُمنح اعترافًا دوليًا رغم أنف أصحابها الشرعيين.
تجاهل فاضح للحق الفلسطيني
حين صدر وعد بلفور، لم يكن في فلسطين سوى نحو 50 ألف يهودي فقط، مقابل أكثر من مليون وستمائة ألف عربي يعيشون على أرضهم منذ آلاف السنين، يمارسون حياتهم في مدنها وريفها وبوادِيها.
لكن ذلك الوعد تجاهل وجودهم تمامًا، مكتفيًا بالإشارة إليهم كـ"جماعات غير يهودية" تُمنح حقوقًا مدنية ودينية، دون أي اعتراف بحقوقهم السياسية أو الوطنية، في تجسيد صارخ لذهنية استعمارية عنصرية اعتبرت الأرض ملكًا لمن يملك القوة لا لمن يملك التاريخ.

108 أعوام من الظلم... ولا تزال القضية حيّة
بعد أكثر من قرن على صدور وعد بلفور، لا تزال فلسطين تدفع ثمن مؤامرة القرن الأولى، ولا يزال الشعب الفلسطيني يواجه نتائجها المدمّرة من استيطان وتهجير وحصار وقتل، فيما يصرّ العالم على تجاهل أصل الجريمة التي بدأت برسالة من "من لا يملك لمن لا يستحق".
ورغم مرور 108 أعوام، يبقى وعد بلفور وصمة عار في جبين الإنسانية، ودليلاً على أن الظلم مهما طال عمره، لا يمكن أن يُلغي حقًّا راسخًا في التاريخ، ففلسطين باقية ما بقيت ذاكرة الشعوب، والحق لا يسقط بالتقادم.
فيما يلي نص اعلان بلفور:
وزارة الخارجية البريطانية
2 نوفمبر 1917م
عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوما بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".
وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علما بهذا التصريح.