رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العالم في عيون امرأة عربية (2)

دينا يعقوب
دينا يعقوب

المتحف الكبير.. عندما تنطق الحضارة باسمنا جميعًا
رؤية امرأة عربية في لحظة فخر عالمي
 
في لحظةٍ فارقة من تاريخ هذا القرن، يقف العالم بأسره أمام أبواب «المتحف المصري الكبير»، ليستمع إلى صوتٍ قديمٍ يعود من أعماق الزمن لكنّ هذا الصوت، رغم جذوره الفرعونية الضاربة في القدم، لم يعد صوت مصر وحدها؛ بل صار لسان كل امرأة عربية تشهد ميلادًا جديدًا للحضارة من قلب الشرق، وتدرك أن التاريخ لا يموت طالما فينا من يتذكّره.                 
  
العالم ينظر إلى مصر مجددًا
يحتفل المجتمع الدولي بافتتاح المتحف الكبير كحدثٍ ثقافي وإنساني يربط ماضي البشرية بحاضرها. عشرات الوفود الرسمية، ووسائل الإعلام العالمية، والعلماء، ومؤسسات الثقافة، يسلّطون الضوء على صرحٍ معماري لا يُضاهى ليس فقط لأنه الأكبر في العالم المخصَّص لحضارةٍ واحدة، بل لأنه يُعيد مصر إلى موقعها الطبيعي على خريطة القوة الناعمة العالمية.              

ومن منظور العلاقات الدولية، يشكّل المتحف الكبير أداة دبلوماسية ثقافية ناعمة، تعبّر عن قدرة الدول العربية على توظيف موروثها الحضاري لتعزيز صورتها الإيجابية عالميًا، وكسر الصورة النمطية التي حوصرت بها منطقتنا لعقود.              

هنا، لا تتحدث السياسة، بل تتحدث الفنون، والعمارة، والآثار، فتخلق لغةً يفهمها الجميع: لغة الجمال والذاكرة والهوية.
 
امرأة عربية أمام المرآة الحضارية
كمواطنة عربية، لا أرى في هذا الافتتاح مجرد إنجاز معماري أو مشروع سياحي، بل لحظة مواجهة مع الذات.
لحظة تقول فيها المرأة العربية للعالم: نحن لسنا ظلالًا في روايات الآخرين، بل نحن من كتبنا أول فصلٍ في قصة الإنسان.

حين أشاهد عيون الأطفال تنبهر بالتماثيل، والوفود الأجنبية تنحني احترامًا أمام تاريخنا، أشعر أن كل امرأة عربية تجد نفسها في هذه اللحظة ـ تجد تأكيدًا أن الانتماء للحضارة ليس حكرًا على الغرب. نحن أيضًا نحمل في أعماقنا ذاكرة من نور.
 
لطالما صُوِّرت المرأة العربية في الإعلام الغربي على أنها رهينة الماضي، خاضعة أو صامتة. لكني وأنا أتابع صور المتحف، أرى أن الماضي الذي يظنوننا عالقين فيه هو ذاته مصدر قوتنا؛ هو الذي منحنا الجذر لنحيا في الحاضر بثقة، ونبني مستقبلًا أعمق.                                                                                                                  
رمزية المتحف: عودة الصوت العربي
كل حجرٍ في هذا الصرح يقول إن العرب ليسوا فقط من يروون التاريخ، بل من يصنعونه.
في زمنٍ امتلأ بالحروب والتهجير والصور السلبية عن منطقتنا، يأتي افتتاح المتحف الكبير كفعل مقاومةٍ حضارية ناعمة. مقاومة ضد النسيان، وضد تهميش الهوية. الحدث لا يمثل مصر وحدها، بل يمثل العالم العربي كله وهو يستعيد حضوره في المشهد الثقافي العالمي. فالقوة الحقيقية لا تكمن في السلاح أو الاقتصاد فقط، بل في امتلاك سردية إنسانية تُلهم الآخرين.       
والمتحف الكبير هو تلك السردية الجديدة ـ السردية التي تضع الحضارة العربية في قلب التاريخ من جديد، لا على هامشه.

المرأة والحضارة.. من الرمز إلى المشاركة
حين أتأمل ملامح الملكات المصريات على جدران المتحف — نفرتيتي، حتشبسوت، وكليوباترا ـ أرى في وجوههن دعوةً لنا نحن نساء هذا العصر: أن نعيد تعريف القوة والجمال من منظورنا نحن. لم تكن تلك الملكات مجرد رموز للجمال بل نماذج للقيادة، للحكمة، ولصناعة القرار في زمنٍ كان يُنكر على المرأة حتي حق الوجود السياسي.                                        
اليوم، ونحن نعيش زمنًا جديدًا، تصبح تلك الرموز مرآةً لنساءٍ عربيات يردن أن يكنّ امتدادًا حقيقيًا لحضارةٍ أنجبت أول كاتبة، وأول طبيبة، وأول حاكمة في التاريخ. إن المتحف الكبير ليس فقط مكانًا لحفظ الآثار، بل مساحةً لإحياء الوعي ، وعي المرأة بذاتها كجزء من السردية الحضارية .                                                                       
بين الماضي والمستقبل
العالم ينظر إلى مصر اليوم بإعجاب، لكننا نحن — النساء العربيات — ننظر إلى أنفسنا بإيمان. مان بأننا لسنا مجرد شهودٍ على التاريخ، بل شركاء في صناعته. وأن الفخر لا يأتي من امتلاك آثار الماضي فقط، بل من الإصرار على أن نكون جديرات بهذا الإرث العظيم.                                                                                              
خاتــــــمة
وأنا أتابع مشهد الافتتاح، شعرت أن الحضارة تتنفس من جديد، وأن هذا النفس يحمل صوت كل امرأة عربية آمنت أن الهوية ليست شعارًا، بل مسؤولية. رأيت في المتحف الكبير انعكاسًا لرحلتنا نحن النساء، من الصمت إلى الوعي، من الظل إلى الضوء. وأدركت أن الحضارة لا تعيش في المتاحف وحدها، بل في قلوب الذين ما زالوا يؤمنون أن الجمال يمكن أن يغيّر وجه العالم.                                                                                                                               
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء