سعيد سلامة: اللغة الإسبانية كانت نافذة لرؤيتي للعالم بعين مختلفة
كشف لنا الشاعر سعيد سلامة في حوار خاص أجره معه موقع «إيجبتكِ»، عن رحلته مع الشعر منذ أول خطوة فيها، وعن اللحظة التي شعر فيها أن الكتابة أصبحت طريقته الخاصة للتعبير عن الذات.
تحدث عن تأثير كبار الشعراء الذين شكلوا تجربته، وعن تجربته الفريدة في الكتابة بالعربية والإسبانية، وكيف منحته الثقافة الإسبانية منظورًا جديدًا للفن والحياة.
تناول أيضًا تجربته مع الشعر المصري العامي، وصدى دواوينه عربيًا ودوليًا، وكيف يساهم الشعر في بناء جسور بين الثقافات، وبين التراث المصري القديم والوعي المعاصر.
كيف بدأت رحلتك مع الشعر؟
بدأت رحلتي مع الشعر كمن يخطو في غابة صامتة، يبحث عن الضوء بين الأشجار، يلتقط شذرات من النور والظل، ومن هنا تولدت الأبيات الأولى.
الشعر بالنسبة لي كان اكتشافًا لعالم داخلي، ولحظة صمت تتحول إلى كلمات تفتح أبواب الروح على مصاريعها.
ومتى شعرت أن الكتابة هي طريقتك الخاصة للتعبير عن الذات؟
شعرت بذلك حين أدركت أن الكلمات تستطيع حمل ما لا يمكن للصوت أو النظر حمله، حين أصبحت الجملة لا مجرد ترتيب حروف، بل حياة مستعارة من قلبي، تعبّر عن كل ما يختبأ خلف العيون والخطرات العابرة.
من مِن الشعراء تأثرت بهم في البدايات؟
تأثرت بكبار الشعراء الذين عرفوا كيف يحولون الألم إلى تجربة جمالية، من بابلو نيرودا إلى فيديريكو غارثيا لوركا، ومن محمود درويش إلى أحمد فؤاد نجم.
كل واحد منهم علّمني أن الشعر هو صوت الإنسانية قبل أي صوت آخر.
كيف بدأ اتجاهك نحو الشعر الإسباني وإتقانك للغة؟
بدأ الأمر عندما شعرت بأن الروح تتوق إلى أصوات أخرى، إلى نغمات لا يحدها صوتي العربي.
اللغة الإسبانية كانت لي نافذة، ليس فقط لفهم كلمات جديدة، بل لرؤية العالم بعين مختلفة، وللتعبير عن شعور مشترك بين الثقافات.
تكتب بالعربية والإسبانية، كيف تصف علاقتك بكل لغة؟ وهل تختلف نبرة الصوت الشعري بين اللغتين؟
العربية هي جذوري، هي قلب النبض، والإسبانية هي جناحي، هي الهواء الذي يرفعني فوق الحدود.
كل لغة لها موسيقاها الخاصة، ونبرة الصوت تتغير، لكنها تحمل نفس الروح: البحث عن الحقيقة، عن الجمال، عن ما يجعل الإنسان إنسانًا.
إلى أي مدى أسهمت الثقافة الإسبانية في تشكيل رؤيتك الفنية والإنسانية؟
الثقافة الإسبانية علمتني الصبر على الإيقاع، على الصمت بين الكلمات، وعلى القوة التي يولدها التوازن بين الحلم والواقع.
كما أنها أضافت بعدًا إنسانيًا جديدًا لتجربتي كشاعر، فالفن الإسباني يجعل الإنسان يرى العالم بعيون قلبه قبل عينيه.
ما الذي يلهمك أكثر في كتابة قصيدة العامية المصرية؟
الشارع، الناس، أصوات الحواري، لحظات الضحك والبكاء اليومية، والمفارقات الصغيرة التي تكشف عمق الحياة المصرية.
العامية هي لغة الروح الحية، لغة الصدق غير المفلتر، لغة القلب الذي لا يعرف المجاملة.
ديوان يمضي كالطير حقق صدى كبيرًا عربيًا ودوليًا.. كيف تفسر هذا التفاعل؟
لأن الشعر، حين يكون صادقًا، يعرف كيف يتجاوز الحدود.
الصدى الكبير لم يكن بسبب الكلمات وحدها، بل بما تحمله من تجربة إنسانية مشتركة، من ألم وفرح وأمل.
تجربة يجد فيها القارئ العربي والغربي انعكاسًا لروحه الخاصة.
النسخة الإنجليزية من يمضي كالطير ستصدر قريبًا في الولايات المتحدة، كيف تم اختيار النصوص والترجمة؟ وهل تدخلت في عملية الترجمة بنفسك؟
تم اختيار النصوص التي تحمل أعمق تجربة إنسانية، والتي تستطيع أن تتحدث بلغة القلوب قبل اللغة.
كنت متدخلًا في كل خطوة من الترجمة، لضمان أن تبقى الروح الشعرية حيّة، وأن لا تتحول الكلمات إلى مجرد نسخة لفظية بلا نبض.
ديوانك Libre مكتوب بالعربية والإسبانية.. كيف كانت تجربة الدمج بين لغتين داخل عمل شعري واحد؟
كانت تجربة كأنني أزرع حديقتين في الأرض نفسها، كل لغة لها ألوانها ونكهتها، لكنها تتلاقى في الجذور ذاتها.
الدمج منح النص حياة مزدوجة، صوتًا مزدوجًا، لكنه ظل متناغمًا في عمقه الروحي.
هل هناك ديوان جديد في طريقه للنور؟ وهل سيكون بالعربية أم بالإسبانية؟
نعم، هناك ديوان جديد على الطريق، سيصدر بالعربية، حاملاً لغة الروح نفسها التي عرفها قرائي من قبل.
سيكون حاضرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب القادم، كجسر بين العالم الداخلي للشاعر وقلوب القرّاء، متعدد الألوان والأصوات، لكنه واحد في جوهره وعمقه.
كيف ترى استقبال القارئ الغربي للشعر المصري؟
القراءة الغربية للشعر المصري غالبًا ما تبدأ بدافع الفضول، لكنها تتحوّل إلى تقدير حين تكتشف العمق الإنساني وراء الكلمات.
القارئ الغربي يحب أن يجد في الشعر ما يجمع بين الغربة والإنسانية المشتركة، بين التاريخ واللحظة الحاضرة.
فكلما قرأ الغربي شاعرًا مصريًا، اكتشف أن الألم واحد، وأن الحلم لا جنسية له.
هل تعتبر أن الشعر العربي ما زال قادرًا على العبور إلى الثقافات الأخرى رغم اختلاف اللغة؟
بالتأكيد، لأن الشعر لغة الروح، والروح تفهمها القلوب قبل الألسن.
الترجمة الصحيحة تجعل الشعر العربي جسرًا بين الثقافات، بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب.
ما التحديات التي واجهتها للوصول إلى جمهور عالمي؟
أهم التحديات كانت الحفاظ على الروح الشعرية عند النقل بين اللغات، والتغلب على الفجوة الثقافية، وإيصال التجربة الإنسانية في شكلها النقي دون أن تفقد شيئًا من عمقها أو حساسيتها.
بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير، كيف ترى دور المتاحف في حفظ هوية الأمة الثقافية؟
المتاحف هي صرح الذاكرة، المكان الذي يجمع الماضي بالحاضر ليعلّم الأجيال معنى الهوية والإنسانية.
من خلالها تتحدث الحضارات وتصل إلى القلوب، وتصبح المعرفة تجربة حيّة، وليست مجرد عرض للقطع الأثرية.
هل تعتقد أن الشعر يمكن أن يكون جسرًا بين التراث المصري القديم والوعي المعاصر؟
بلا شك، الشعر قادر على تحويل الرموز القديمة إلى لغة اليوم، على أن يجعل الماضي ينطق في حاضرنا، ويحوّل الأساطير والتاريخ إلى تجربة روحية يمكن أن يعيشها الإنسان المعاصر.
لو طُلب منك كتابة قصيدة تُلقى داخل المتحف المصري الكبير في يوم الافتتاح، عن ماذا ستتحدث؟
ستتحدث عن الزمن، عن صدى الحضارات التي صنعت مصر، عن أصوات من عاشوا قبل آلاف السنين، وعن حاضرنا الذي نحمله في قلوبنا، وعن كيف يستمر الإنسان في البحث عن الجمال والمعنى وسط صمت الحجر وروعة الفن مشيرًا إلى أن الشِعْر بالنسبة لي ليس زينة للعالم، بل طريقة لاحتماله.