قوة مصر العلمية (2).. المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد
في زحمة الحديث عن السياسة والاقتصاد والفن، نادرًا ما نجد من يتحدث عن قوة مصر العلمية، تلك القوة الهادئة التي تبني المستقبل من خلف الكواليس.
ومن ضمن هذه المؤسسات ما يشكل درعًا للأمن الغذائي وحائط صد أمام التلوث البيئي، وهنا يبرز دور المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد (NIOF) كأحد أقدم وأهم المؤسسات البحثية في المنطقة، وأحد الشواهد على ريادة مصر العلمية في علوم البحار منذ أكثر من قرن من الزمان.
بدأت قصة هذا المعهد العريق عام 1918، حين أُنشئ معهد الإسكندرية للأحياء المائية في منطقة القلعة التاريخية بـ قايتباي. وبعد عشر سنوات، وتحديدًا في عام 1928، وُلدت محطة الأحياء البحرية بالغردقة على شواطئ البحر الأحمر، لتصبح إحدى أولى المحطات البحثية في الشرق الأوسط المخصصة لدراسة الحياة البحرية.
وفي عام 1962، ومع بداية عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي جعل من العلم أحد ركائز بناء الدولة الحديثة، تم دمج المؤسستين في كيان واحد هو معهد علوم البحار والمصايد، ليصبح مركزًا وطنيًا يجمع بين خبرات البحرين الأحمر والمتوسط.
وفي العقود التالية، توسع النشاط العلمي ليشمل إنشاء فرع المياه الداخلية والاستزراع المائي بالقناطر الخيرية عام 1967، قبل أن يُعاد تأسيس المعهد رسميًا بقرارات جمهورية في 1983 و1998 ليحمل اسمه الحالي:
المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد (National Institute of Oceanography and Fisheries – NIOF)، التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
يُعد المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد حاليا هو بيت الخبرة الوطني في علوم البحار والمياه الداخلية، إذ تمتد مهامه لتغطي ثلاث جبهات رئيسية: هي الحفاظ على البيئات المائية المصرية في البحرين الأحمر والمتوسط، وبحيرات الشمال، ونهر النيل.
و إجراء البحوث التطبيقية التي تسهم في تنمية الثروة السمكية واستدامة الموارد البحرية ، الى جانب تقديم الدعم العلمي والاستشاري لمتخذي القرار في قضايا الأمن الغذائي، والتلوث، والتغير المناخي، والتنمية الساحلية.
ويعمل المعهد من خلال عدة فروع منتشرة على سواحل مصر ، في الإسكندرية و الغردقة و خليجي السويس والعقبة ، إلى جانب فرع المياه الداخلية بالقناطر الخيرية، لتغطي جهوده كل البيئات المائية المصرية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
ولا تقتصر بحوث المعهد على الدراسات النظرية، بل تمتد إلى تطبيقات تمس حياة الناس اليومية ، فهو يقود جهود تقدير المخزون السمكي المصري وتحديد مناطق الصيد المستدامة، كما يعمل على تطوير تقنيات الاستزراع السمكي في المزارع الداخلية والساحلية، عبر نقل الخبرات العالمية وتوطين التكنولوجيا الحديثة من شرق آسيا.
وقد أسهمت بحوث المعهد في دعم قفزة مصر في إنتاج الأسماك خلال العقدين الأخيرين، حتى أصبحت من أكبر دول العالم في الاستزراع السمكي، كما يشارك المعهد في تنفيذ دراسات حول التلوث البحري ومراقبة الملوثات الصناعية والزراعية والنفطية التي تهدد النظم البيئية البحرية.
وفي السنوات الأخيرة، تعاون المعهد مع وزارة البيئة في دراسة تأثير التغيرات المناخية على البيئة البحرية والآثار المصرية الساحلية، ضمن خطة الدولة لحماية الشواطئ وتعزيز الأمن البيئي.
يضم المعهد نخبة من العلماء والباحثين في فروع الفيزياء البحرية، والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا والميكروبيولوجيا البحرية،ومن هؤلاء الأفذاذ، لا يمكن أن نغفل الدور المؤسس والرائد للدكتور حامد جوهر، الذي قاد محطة الغردقة لأربعة عقود، وأصبح أيقونة لعلوم البحار لدى الجمهور العربي عبر برنامجه الشهير "عالم البحار" ، كما يضم المعهد في قيادته الحالية أ.د. عمرو زكريا حمودة، رئيس المعهد، وغيره من العلماء البارزين
من بينهم الدكتور أحمد رضوان، أحد رواد علوم البحار الفيزيائية، والدكتورة غادة حجازي، الباحثة في الميكروبيولوجيا البحرية، إلى جانب عشرات من الأساتذة الذين يحملون على عاتقهم مهمة تطوير العلوم البحرية في مصر.
ويصدر المعهد"المجلة المصرية لعلوم البحار والمصايد" (The Egyptian Journal of Aquatic Research / Oceanography and Fisheries). ، وهي دورية علمية متخصصة تُنشر فيها أحدث الأبحاث حول البحار والمصايد والاستزراع المائي، مما يعزز مكانة مصر العلمية إقليميًا ودوليًا في هذا المجال الحيوي.
ويعمل المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد أيضا كأحد أذرع الدولة المصرية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، عبر حماية الثروات البحرية وتنمية الموارد السمكية والحد من التلوث ودعم الاقتصاد الأزرق.
كما يقدم خدمات استشارية في تقييم المخاطر الزلزالية والهيدروغرافية، ومشروعات البنية التحتية الساحلية، ليصبح شريكًا علميًا فاعلًا في التخطيط للمشروعات القومية الكبرى مثل الموانئ الجديدة، ومحطات تحلية المياه، ومشروعات تنمية قناة السويس
في النهاية، يظل المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد نموذجاً مضيئاً لما يمكن أن تصنعه قوة مصر العلمية حين تمتزج بالوعي الوطني فهو بحق المؤسسة التي تحرس البحر وتزرع العلم في أعماقه، لتبقى مصر - كما كانت دائمًا - رائدة في علمها، وسيدة في سواحلها، وغنية بعقول أبنائها قبل مواردها.