حكاية إصدار جواز سفر لرمسيس الثاني وعلاجه في باريس عام 1976|فيديو
كشف الدكتور سامح فخري، أستاذ المناظير بمعهد تيودور بلهارس للأبحاث، تفاصيل رحلة مومياء الملك رمسيس الثاني إلى باريس في عام 1976، وذلك بهدف علاج إصابتها العميقة التي أثارت قلق العالم، وأوضح فخري، في حديثه مع الإعلامية لميس الحديدي، خلال التغطية المباشرة لفعاليات افتتاح المتحف المصري الكبير، أن الأمر بدأ بعد اكتشاف بعض الإصابات في مومياء رمسيس الثاني، الأمر الذي استدعى اتخاذ إجراءات فورية، حيث كانت المومياء تعتبر من أبرز الكنوز التاريخية في العالم.
قرار السفر إلى باريس وإجراء المنظار
في أواخر السبعينيات، تم اكتشاف أن المومياء كانت تعاني من إصابات متقدمة قد تؤثر على حالتها الصحية وتعرضها للخطر. وبالرغم من الأهمية التاريخية للملك رمسيس الثاني، قررت الحكومة المصرية اتخاذ خطوة جريئة في ذلك الوقت. وبعد مناقشات مكثفة، تم اتخاذ قرار بإرسال المومياء إلى باريس لإجراء فحص دقيق باستخدام المنظار، بهدف تحديد مدى انتشار الإصابة ومدى تأثيرها على الحالة العامة للمومياء، كان القلق الأكبر هو احتمال تعرض المومياء لعدوى قد تضر بها، ومن ثم تم اتخاذ القرار بعلاجها في حال تأكيد هذا التشخيص.
إصدار جواز سفر لرمسيس الثاني
المفاجأة الكبرى التي كشف عنها الدكتور فخري كانت إصدار "جواز سفر" للمومياء التي تم تخصيص رقم 1 له، حيث كان المهنة المسجلة في الجواز هي “ملك مصر”، وكانت هذه خطوة غير مسبوقة في التعامل مع المومياوات المصرية ككنوز وطنية، إذ تم التعامل معها على أنها شخصية رسمية. وقال فخري: "كان ذلك حدثًا فريدًا من نوعه، حيث خرجت مومياء رمسيس الثاني من مصر في رحلة علاجية رسمية بعد أن تم إصدار جواز سفر لها".
الاستقبال الملكي في باريس
ما جعل هذه الرحلة أكثر إثارة هو الاستقبال الملكي الذي حظيت به المومياء في باريس. استُقبلت المومياء كـ "ملك مصر" وبشكل رسمي مهيب في العاصمة الفرنسية، في ذلك الوقت، كان الكثيرون يربطون بين المومياوات و"لعنة الفراعنة"، وهو ما جعل هذا الحدث مشحونًا بالرهبة والتوقعات. وقد أُقيمت مراسم استقبال احتفالية بحضور وزيرة الثقافة الفرنسية آنذاك، حيث أطلقت المدافع لتحية المومياء، كما رافق الموكب درجات بخارية وتواجد العديد من المسؤولين الفرنسيين في مشهد مهيب. تم نقل المومياء بعدها إلى أحد المتاحف الفرنسية لإجراء الفحص والعلاج.
علاج المومياء باستخدام إشعاعات جاما
بعد الفحص الدقيق الذي أجراه الدكتور مصطفى المنيلاوي، صاحب الفضل في إجراء المنظار، تبيّن أن المومياء كانت تعاني من بعض العفن الذي أصاب جسدها بسبب مرور الزمن، تم استخدام إشعاعات جاما لعلاج العفن، وهو علاج خاص بالمومياوات ينطوي على معالجة الخلايا التالفة. استمر العلاج طوال عام 1976 حتى بداية عام 1977، حيث أُجريت عدة جلسات لضمان استقرار الحالة الصحية للمومياء. كانت هذه العملية الطبية الأولى من نوعها على مومياء ملكية، وهو ما جعلها تدخل التاريخ كواحدة من أهم العمليات الطبية التي أُجريت على قطعة أثرية مصرية.
عودة رمسيس الثاني إلى مصر
بعد الانتهاء من العلاج في باريس، تم إعادة مومياء رمسيس الثاني إلى مصر، حيث أُعيدت إلى موطنها الأصلي بعد أن تم علاجها وتحسين حالتها. عادت المومياء إلى مصر محاطة بالاحترام والتقدير، وتم نقلها إلى مكان آمن مع الحفاظ على سلامتها من أي أضرار أخرى.
قصة علاج مومياء رمسيس الثاني هي قصة فريدة تُظهر اهتمام مصر الكبير بالحفاظ على آثارها وحضارتها، كانت هذه الحادثة درسًا في كيفية التعامل مع التراث الثقافي والطبي والعلمي، حيث أظهرت أن مصر ليست فقط حريصة على الحفاظ على آثارها ولكنها أيضًا مستعدة للابتكار واستخدام أحدث الوسائل الطبية والتقنية من أجل صون هذه الكنوز للأجيال القادمة.
الرحلة العلاجية التي خاضتها مومياء رمسيس الثاني في عام 1976 تعد شاهدة على الجهود المستمرة التي تبذلها مصر في سبيل الحفاظ على تراثها الثقافي، وترسخ المكانة الفريدة للمتحف المصري الكبير كمركز عالمي للحفاظ على التاريخ المصري القديم وعرضه بطريقة علمية وتقنية متقدمة.