دعونا نتفق بداية على أن الشعب المصري لا مثيل له في روح الفكاهة والدعابة والمرح، لأنه ببساطة شعب "ابن نكتة" يحب الفرح والضحك، وعادته أن يحول الحزن إلى ضحكات تلامس عنان السماء، ويحول الهزيمة إلى انتصار وهو يضحك، ويعبر القناة لقتال العدو وهو يبتسم ويلقي نكتة وهو في ذات الوقت يلقي القنابل على عدوه، عجيب هذا الشعب، وسر العجب فيه أنه يحمل بين صدره الكبر والتواضع والشدة واللين والجد والهزل، والحزن والفرح، هذه الشخصية الفريدة للشعب المصري جعلته عصي على الانكسار والهزيمة، وقادر على صنع المعجزات وقت الأزمات، والخروج من النفق المظلم في أشد وأحلك الظروف وهو يشعل سيجارته الكيلوبترا وهو يبتسم.
وفي الوقت الذي يرفع فيه المواطن البسيط العلم المصري، ويحول صورته الى الزي الفرعوني على جميع وسائل التواصل الاجتماعي، ويهتف تحيا مصر، ويسير في الشوارع مبتهجا كفرحة طفل بليلة العيد بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير، هو ذلك المواطن ذاته الذي كان يشتكي منذ أيام من ارتفاع زيادة المواد البترولية، وغلاء المعيشة، ويشكو من الحكومة؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بمصر وحضارة مصر ينسى المصري كل همومه ويتلف حول علم بلاده، مقدما مصر فوق كل اعتبار، متمسكا بالأمل أن الظروف الاقتصادية الصعبة قد تمر، وأن الظروف المعيشة سوف تتحسن، المهم أن تبقى مصر منارة للحضارة والثقافة والرقي، وأن تستمر في البناء والعمل والتقدم، لا يهم من الذي سيجني الثمار المهم أن هنا ثمارا ستجني منا أو من أحفادنا.
لن أكذب حين أقول أن المواطن البسيط الآن يعلم جيدًا أن اقتصاديات العالم الجديد مترابطة، وما يحدث في الصين يؤثر على معيشة الناس في أمريكا الجنوبية، وما يحدث في الشرق يؤثر على بلاد الغرب، ترابط غريب أفرزته اقتصاديات العالم الحديث، والمواطن المصري يعلم جيدا أن الموضوع ليس متحفًا لعرض الأثار المصرية القديمة، فمصر كلها متحف مفتوح؛ ولكن المهم أن تقول أن المصري هنا موجود، أشيد وأعمر وأصنع المجد جيلا فجيلا، القصة يا أحباب أن المتحف ضوء مبهر جديد يشد أنظار العالم نحو مصر، ولك أن تعلم أن العالم أجمع ينتظر الافتتاح، ليعيد التفكير من جديد ليس إلى الحضارة المصرية القديمة فحسب؛ بل إلى الجمهورية الجديدة بأكملها.
والدليل على ما أقوله تجده حينما تعلم أن الوفود التي ستحضر الاحتفال تمثل كل دول العالم تقريبا، وهي دعاية قد تكلف المليارات إذا ما قامت عليها وكالات إعلانية، أنت الآن تفعله بسهولة ومن خلال رسالة راقية، تجمع حولها القاصي والداني، لك أن تعلم أن مصر ستستقبل 39 ملكًا وأميرًا ورئيس دولة من مختلف القارات، إلى جانب 79 وفدًا دوليًا رسميًا يضم رؤساء وزراء ووزراء ورؤساء برلمانات، ما يجعل الافتتاح أشبه بـ"قمة حضارية عالمية على أرض مصر، وسيشهد العالم تفاصيل الحدث عبر أكثر من 580 قناة تلفزيونية ومحطة وإذاعة ومنصة دولية، إضافة إلى 380 شخصية مؤثرة عالميًا من العلماء والمفكرين ورجال الأعمال والفنانين والمبدعين الذين يمثلون نخبة الفكر والاقتصاد والفن في العالم.
أما على الصعيد الاقتصادي، فسيحضر ممثلو 200 مؤسسة مالية واستثمارية دولية، و88 منظمة أممية وخاصة، فضلًا عن 800 ممثل عن كبرى الشركات العالمية والإقليمية العاملة في مجالات السياحة والثقافة والتسويق والتراث، كذلك من المقرر أن يبدأ المتحف، في اليوم التالي للافتتاح، في استقبال أكثر من 400 وفد سياحي يوميًا، في مؤشر واضح على أن العالم كله يتجه نحو الجيزة ليشهد ميلاد عصر ثقافي وسياحي جديد، تؤكد من خلاله مصر أنها لا تكتفي بصنع التاريخ، بل تصنع الحاضر والمستقبل أيضًا.
إن المتحف المصري الكبير ليس مجرد صرح أثري؛ بل هو رمز لإرادة البناء والتعمير والتحضر، وإعلان بأن مصر لا تعيش على أطلال ماضيها؛ بل تبني حاضرها بخطى واثقة نحو المستقبل، تزرع اليوم بإخلاص، وتعمل في صمت، وسنحصد قريبًا بإذن الله ثمار ما نشيده من صروح حضارية وثقافية وتنموية تعيد لمصر مكانتها التي تستحقها.