رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق  كاتب
عمرو فاروق كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية

يعد افتتاح المتحف المصري الكبير مسمارًا في نعش المشروع "الأصولي الجهادي" وأدبيات "الإسلام السياسي"، كونه يعزز فرضية الانتماء الوطني والمرجعية الحضارية والتاريخية للدولة الوطنية، والتي تقابلها "مظلة الخلافة" أو "الأصولية الأممية"، القائمة على مفهوم الانتماء الديني كأولوية أساسية في بناء المشروع التوسعي الفكري والتنظيمي.

الإشكالية المحورية لتيارات "الإسلام الحركي" ليست في هدم آثار الحضارة المصرية القديمة، من عدمها، وإنما تتجلى في إعادة صياغة العقل الجمعي والهوية الفكرية تجاه مفاهيم الدولة الوطنية، وربط حاضرها بماضيها على أسس علمية ومعرفية، بعدما عملت هذه الجماعات على صياغة مشروعها وفق أطر السمع والطاعة والانغلاق الفكري، وغلبت في مضمونه "تقديس النص"، وصنعت ما يعرف بـ"الإيمان الميكانيكي" كبديل عن الفهم النقدي.

حالة الصراخ التي انتابت "دواعش العصر" بمختلف مسمياتهم القديمة والحديثة، من الإخوان إلى دراويش السلفية التقليدية والجهادية، عقب الإعلان عن افتتاح المتحف المصري الكبير، نابعة من التخارج من معادلة الهيمنة والسيطرة على القاعدة العامة للمجتمع، بعدما ظلت قابعة على عنق دوائره الشعبية لسنوات طويلة، قدمت فيها نسقًا من التدين الشكلي والظاهري، المغلف بالتخبط العقائدي والانحراف الفكري، ووصفته بالجاهلية ورمته بالتكفير، واستباحت دماء قادته ورموزه تحت غطاء تطبيق الشريعة.

إعادة بناء جوهر الشخصية المصرية وصقلها بالمعنى التاريخي والحضاري يمثل مسارًا مقاومًا لمشروع "أسلمة المجتمع" وفق التوجه الأيديولوجي وليس الديني، الذي مارسته جماعات الإسلام الحركي في إطار دورها الوظيفي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتبنت خلاله مفاهيم "الإبادة الفكرية" ومنهجية "العزلة الشعورية"، فضلًا عن استراتيجية "الفوضى" وتدمير مؤسسات الدولة، انطلاقًا مما طرحه سيد قطب في وثيقته الأخيرة "رد الاعتداء"، وطبّقه لاحقًا محمد خليل الحاكيمة في كتابه "إدارة التوحش" لبناء دولة بديلة تمحو الحضارة وتعيد كتابة التاريخ وفق أيديولوجية أصولية متطرفة، وتبناها تنظيم "داعش" عمليًا ووظفها في إبادة المعالم والمعابد الأثرية في سوريا والعراق.

التطرف والتشدد ثِمة أساسية في المنهجية الحركية والفكرية لدواعش العصر، الذين لم يطعنوا في إيمان الأمة العربية فحسب، فيما يخص قضية المعابد الأثرية المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة، في ظل وصفهم للاحتفال بها والانتساب إليها بمثابة عبودية من دون الله، وتقديسًا لأهل الشرك والكفر، وإنما زايدوا على إيمان الصحابة وعقيدتهم، الذين لم يتعرضوا لهذه المعابد الأثرية، واعتبروها بمثابة جزء من السياق الحضاري والعرف والتقاليد السائدة والبعيدة تمامًا عن مفهوم التعبد، وأدركوا تاريخيًا أن المصريين القدماء أهل عقيدة وتوحيد، وأن الحضارة المصرية القديمة قامت في مجملها على القيم الأخلاقية والسلوكية.

وقد تجلت في معالم الحضارة المصرية القديمة أصول العقيدة، والإيمان بالثواب والعقاب، والبعث والخلود بعد الموت، وبرزت لديها فكرة "الإله المعبود" أو "الإله الخالق"، وتعد ترنيمة الملك أخناتون أول ترنيمة متكاملة في منظومة نصوص الوحدانية، وبلورت رؤية فلسفية عميقة حول الكون والخلق، وما زالت مخطوطاتهم لغزًا للباحثين بما تحمله من معرفة كونية وعلمية متقدمة.

المتحف المصري الكبير ليس مجرد بناء من الحجارة أو وعاء للحجارة، لكنه محطة فاعلة في إعادة صياغة سردية الانتماء الوطني، في ظل مشاريع التغريب الفكري والثقافي المتعمدة تحت مظلة العولمة، وحالة الانفتاح التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي والتطورات التكنولوجية المعاصرة، ويعتبر سلاح ثقافي في معركة الوعي يواجه روايات التزييف التي ترددها أبواق وكلاء وعملاء الجماعات الأصولية والتيارات السلفية، للتشكيك والنيل من الدولة المصرية وتاريخها قديمًا وحديثًا.

لم يتوانَ "دواعش العصر" منذ الإعلان عن موعد افتتاح المتحف المصري في الطعن في عقيدة الدولة المصرية وقياداتها، دفاعًا عن مشروع "التمكين" الذي اختزل التاريخ المصري في نطاق الانتماء الديني، متجاهلًا الإطار التاريخي والحضاري القديم، إذ يعد المتحف الكبير بمثابة مركز للوعي الوطني، يمكنه إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة أمام حملات التشويه المستمرة، ونموذجًا عقلانيًا وفكريًا يوازن بين الدين والعلم، وترجمة لتقديم الحضارة المصرية القديمة كحاضنة للقيم الأخلاقية والفلسفية والمعرفية.

يدرك "دواعش العصر" وتنظيماتهم العابرة للحدود والقارات أن ثمة دلالة رمزية عميقة وراء تدشين مصر متحفها الأكبر في التاريخ، في ظل صراعات إقليمية تتصاعد فيها موجات التطرف ومشاريع التقسيم الجغرافي والسياسي والتصارع بين الحضارات الغربية والشرقية، من أنها قادرة في خضم هذه المطحنة على بناء المستقبل ووقف وتحجيم زحف هذه المشاريع الأصولية المتطرفة التي تعمل على تفريغ الذاكرة الوطنية وطمس الهوية الفكرية، وتكرس لمفهوم وعقيدة التبعية والعدمية كبديل عن الحضارة والتاريخ.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء