سالي صلاح: تجميد صفقة الغاز الإسرائيلي اختبار لقدرة الاقتصاد المصري على الصمود
قالت الدكتورة سالي صلاح، خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد والتسويق الدولي، إن قرار إسرائيل تجميد صفقة الغاز مع مصر، التي تمثل نحو 20% من الغاز المسال المصري المصدر للأسواق العالمية، يمثل جرس إنذار خطير لأمن مصر الطاقي واستقرارها الاقتصادي.
وحسبما وصفت عبر صفحتها على فيس بوك، أن هذا القرار ليس مجرد تطور اقتصادي، بل تحول استراتيجي يعكس هشاشة الاعتماد على “إسرائيل” كمصدر للطاقة، ويختبر قدرة الاقتصاد المصري على الصمود في لحظة حساسة من مشهد الطاقة العالمي.
الغاز يتحول إلى أداة نفوذ سياسي
وأكدت صلاح أن الغاز لم يعد سلعة اقتصادية بريئة، بل تحول إلى ورقة نفوذ سياسي تُستخدم لإعادة رسم موازين القوى في شرق المتوسط.
وأشارت إلى أن الرسائل الإسرائيلية جاءت مزدوجة الأولي لمصر مفادها الاعتماد المتبادل لا يضمن استمرار الإمدادات حال تعارض المصالح السياسية، والثانية لواشنطن حيث تسعي إسرائيل للحفاظ على هامش استقلال استراتيجي حتى تجاه حليفها الأكبر.
وأضافت أن الغاز أصبح اليوم عملة للاستقرار والنفوذ الاقتصادي، مشيرة إلى أن مصر رغم تطويرها لحقل “ظهر” وعدة اكتشافات جديدة، ما زالت تواجه اختلالًا في توازن الطاقة الداخلي، إذ يجعلها الاعتماد على الغاز الإسرائيلي عبر خط أريش–عسقلان عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية.
تداعيات اقتصادية مباشرة
وحذرت الخبيرة من أن تجميد الصفقة قد يؤدي إلى اضطراب محور الطاقة الأوروبي في ظل المنافسة الأمريكية والقطرية، مشيرة إلى أن التداعيات على الاقتصاد المصري ستكون فورية وواضحة، وتشمل:
ضغطًا على الاحتياطي النقدي نتيجة توقف تدفقات الدولار من صادرات الغاز.
تراجعًا في قيمة الجنيه بسبب نقص العملة الصعبة.
انخفاضًا في إنتاج محطات إدكو ودمياط إلى نصف طاقتها التشغيلية.
تأثيرًا مباشرًا على الكهرباء والصناعة نتيجة إعادة توجيه الغاز المحلي لتعويض العجز.
اتساع العجز المالي وزيادة الاعتماد على القروض الخارجية.
وأكدت أن جزءًا كبيرًا من صادرات الغاز المصري يعتمد على الغاز الإسرائيلي الذي يُعاد تسييله في المحطات المصرية، ما يعني خسارة مباشرة في حجم الصادرات بعد قرار التجميد.
الموقف الأمريكي والبعد الجيوسياسي
وقالت صلاح إن إلغاء زيارة وزير الطاقة الأمريكي إلى المنطقة لا يمكن اعتباره إجراءً روتينيًا، بل إشارة دبلوماسية واضحة إلى قلق واشنطن من اضطراب سوق الطاقة.
وأضافت أن إسرائيل بهذه الخطوة تعرقل الجهود الأمريكية لتأمين بدائل للغاز الروسي، في رسالة مفادها أنها ليست مجرد أداة في يد البيت الأبيض، بل طرف فاعل يسعى للحفاظ على مصالحه الاستراتيجية المستقلة.
الحلول الاستراتيجية المقترحة
عددت الخبيرة الحلول الاستراتيجية على المدى القصير كما يلي:
إعادة ترتيب أولويات استخدام الغاز المحلي لتغطية الكهرباء والصناعات الحيوية أولًا.
الاستيراد بالمقايضة بدل الشراء النقدي لتقليل الضغط على الدولار.
تسريع تشغيل الحقول القائمة مثل “ظهر” و“نرجس” و“شمال الإسكندرية” بشفافية ورقابة كاملة.
أما على المدى المتوسط فتشمل الحلول:
تنويع الشركاء بعيدًا عن المحاور السياسية المتوترة، وفتح تعاون مع قبرص واليونان وأذربيجان.
تحويل الطاقة المتجددة إلى عمود اقتصادي رئيسي بدل كونها مشروعًا جانبيًا.
إنشاء احتياطي استراتيجي من الغاز المسال يُستخدم كأداة تفاوضية في الأزمات.
وعلى المدى الطويل، اقترحت خبيرة التخطيط تلك الحلول:
فك الارتباط الطاقي مع الأطراف غير الموثوقة سياسيًا.
بناء محطات تسييل جديدة بملكية وطنية جزئية بالتعاون مع صناديق سيادية عربية وآسيوية.
توجيه عائدات الطاقة لمشروعات إنتاجية في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا لضمان تنمية مستدامة.
وأكدت الدكتورة سالي صلاح أن أزمة الغاز الإسرائيلي ليست مجرد اضطراب مؤقت، بل رسالة تحذيرية صريحة عن هشاشة الاعتماد على مصدر واحد للطاقة، خصوصًا إذا كان هذا المصدر عدوًا بطبيعته.
وقالت إن الحل لا يكمن في انتظار الإمدادات، بل في إدارة ذكية للأزمة على المدى القصير، وتنويع مصادر الطاقة على المدى المتوسط، واستثمار طويل المدى في الطاقة المحلية والمتجددة.
واكدت أن الطريق إلى سيادة مصر الطاقية واستقرار اقتصادها يبدأ من الاعتراف بأن الغاز لم يعد سلعة، بل أصبح ميدان معركة. ومن لا يستعد لها، يُهزم قبل أن تبدأ.”