الفاشر تصرخ وضمير العالم في سُبات
حين تُغلق أبواب الفاشر وتُسقَط القنابل فوق أسقُفها، تُطلُّ كارثة لا تحتمل الانتظار، حين تصرخ ويكون صراخها رسالة إنذار ليس فقط لسودان يَفتك بنفسه بل لإقليم يتداعى، ولمصر التي يقف أمنها القومي على حافة هذا الجرح، في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور في السودان، حيث القيود والحصار يتخانقان مع الرصاص والجوع، فلم نعد نتحدث عن حربٍ عابرة؛ بل عن انهيار دولة، ونزيف إنساني مريع فَقد خلاله أكثر من مليون شخص مأواهم، لا نتحدث عن حرب فقط بل عن تهديد للأمن القومي المصري عند حدوده الجنوبية.
قدرت منظمة الهجرة الدولية بأن أكثر من مليون شخصًا نزحوا داخليًا من الفاشر والمناطق المحيطة بها حتى منتصف 2025 — أي نحو 10 % من إجمالي النازحين الداخليين في السودان. المدينة التي كانت تضم أكثر من مليون نسمة قبل اندلاع النزاع، انخفض عددها إلى نحو 400 ألف نسمة تقريباً، بعد حصارٍ عُدّ من الأعنف في المنطقة منذ عقود. في الوقت ذاته، تلامس معاناة الأطفال مستويات لا يمكن تجاهلها: تقارير اليونيسف تشير إلى أن نحو 825 ألف طفل محاصرون في الفاشر ومخيم زمزم المجاور، من بينهم ما يقرب من 6 آلاف طفل يعانون من سوء تغذية حادّ، في ظل مستشفيات منهارة وحصار مستمر يُعيق وصول الغذاء والدواء.
أحد تجليات المأساة نراها في مخيم للنازحين قرب الفاشر، تجلس أمّ تُحضن طفلها الذي فقد والده في قصفٍ للطائرة بدون طيار. تقول وهي تحاول استيضاح لماذا لا تجد حتى رغيف خبزٍ واحد: “أريد فقط أن ينام ابني بلا خوف”. هذه الجملة – بسيطة – تحمل في طياتها كل ما تتجنّبه البيانات: الخوف، الجوع، الضياع في قلب وطن.
وتجلس أم تحمي صغارها بين احضانها وهم يرتجفون خوفًا من الرصاص الطائش في مشهد شبهه رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمشهد قتل الطفل محمد الدر على يد العدوان الاسرائيلي الغاشم، ومشهد أخر لجثث رجال تتدلى من بين أغضان الاشجار كثمار لذلك الجنون.
لكن لماذا يجب أن تصغى مصر؟ فمصر والسودان لا يفصل بينهما حاجر، بل يربطهما نهر وتاريخ ودم ومصير واحد، وأي انهيار في مؤسسات الدولة السودانية يعني بالضرورة انعكاسات مباشرة على الداخل المصري، فعندما تهتز دارفور تصل الموجة الارتدادية للقاهرة عاجلًا أو أجلًا في شكل بوّابة لهجرةٍ واسعة، تدفّقٍ للأسلحة، وجماعاتٍ مسلحة تتسلّط على المناطق المحاذية، فإن الفاشر من موقعها الجغرافي يمثّل مثلث خطر (حدودٌ برّية، تهريبٌ محتمل، وإضعافٌ لشرعية الجوار).
ما يزيد الطين بلة هو أن المجتمع الدولي – وإن أصدر بيانات شجب – لم يتقدم بالخطوات الحاسمة، ففي 14 أغسطس 2025، أكثر من 30 دولة أصدرت بيانًا مشتركًا تطالب بوقف حصار الفاشر فورًا محذّرة من انتشار المجاعة وجرائم الحرب، كذلك تبنت الأمم المتحدة قرارًا من مجلس الأمن (رقم2736) في 13 يونيو 2024 يُطالب بانسحاب جميع المقاتلين الذي يهددون المدنيين في الفاشر، وفتح الممرات الإنسانية، من جهة أخرى، أصدرت دول مثل قطر بيانًا في 28 أكتوبر 2025 تدين فيه "الانتهاكات المروعة" التي ارتُكبت خلال هجمات عناصر قوات الدعم السريع على الفاشر، وتطالب عددًا من الضوابط بحماية المدنيين وتأمين إيصال المساعدات، فيما أصدرت المملكة العربية السعودية بيانًا مماثلًا، داعية إلى سرعة جهود الحوار ووقف التدخلات الأجنبية في الشأن السوداني. وتركيا بدورها أدانت معاملة المدنيين في الفاشر وطالبت بوقف فورى للأعمال العدائية، مع تأكيد على وحدة السودان وسلامة أراضيه.
تلك البيانات مثيرة للاهتمام، لكن الأهم أنها بحالها لم تقلب الواقع المريع، الحصار مستمر، المساعدات مقطوعة، الشعب في الفاشر يموت تدريجيًا، بينما العالم يشاهد ويكتب بيانات.
أما مصر فقد اختارت منذ اندلاع الأزمة السودانية طريق الدبلوماسية الهادئة بدلًا من الانفعال السياسي، لم تنزلق إلى صراعٍ مسلحٍ بالوكالة رغم المساندة الواضحة للنظام السوداني وشرعيته ورفضها التام لقيام حكومة موازية يقودها الدعم السريع معتبرة أن ذلك محاولة لتقسيم الدول، لذا طرحت رؤية واقعية تعتبر أن حل الأزمة السودانية لن يكون عسكريًا، وإنما سياسي شامل يحفظ وحدة التراب السوداني ويعيد للدولة مؤسساتها الشرعية.
وفي الوقت الذي تتنازع فيه القوى الإقليمية على النفوذ في السودان، تمسكت القاهرة بمبدأ ثابت : أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمن مصر، وأن حماية هذا الاستقرار لا تكون بالسلاح، بل بالدعم السياسي والإنساني والتنفيذي.
وطبقًا لهذا السياق، يجب أن تتحرك مصر بوضوح واستراتيجية: أولًا، قيادة مبادرة عربية-أفريقية تفتح ممرّات إنسانية محمية تدخُل الفاشر والمخيمات المحيطة بها مباشرة، وتضمن إيصال الغذاء والدواء ونقل الجرحى.
ثانيًا، تحويل الدعم من مجرد تقديم مساعدات مؤقتة إلى دعم مؤسّساتي: تبني مبادرة إعادة بناء المدارس والمستشفيات، دعم التشريعات المحلية، وتأهيل النازحين للعودة الآمنة إلى مدنهم.
ثالثًا، ربط المعالجة الإنسانية بالمعالجة السياسية: مصر يجب أن تدعو بفعالية إلى مكافحة الفوضى والحفاظ على شرعية الدولة.
رابعاً، تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي مع الخرطوم وتشاد وليبيا، لمنع تهريب السلاح والعناصر المتطرفة، إضافة إلى الاستثمار في أدوات القوة الناعمة: الإعلام، التعليم، التعاون الثقافي في السودان، لخلق بيئة مترابطة مع مصر وليس مع المسارات الفوضوية.
فإن الوقت ليس لصياغة بيانات جديدة، بل للبدء في تنفيذ خطة واقعية قابلة للقياس، فحين تُستبدل "البيانات" بـ "الجسور" بين مصر والسودان، وحين نخرج من دائرة "الشجب" إلى مربع "الأفعال الملموسة"، فإن أمن مصر القومي لن يكون محصورًا في الحدود، بل في استقرار الجغرافيا التي تشكّل امتداداً لها.
الفاشر اليوم تُصيح: "أنا هنا، أنا في ألم، أنا بحاجة إلى إنقاذ". الاستجابة ليست خيارًا، إنها ضرورة. إنها أمننا، إنسانيتنا، ومستقبلنا.