مصطفى عبد الله: فاروق حسني بطل المتحف المصري الكبير
قال الكاتب الصحفي مصطفى عبد الله، رئيس التحرير الأسبق بمؤسسة "أخبار اليوم"، وعضو لجان المجلس الأعلى للثقافة، في أول تصريح اختص به «إيجبتك» عن المتحف المصري الكبير، المقرر افتتاحه اليوم:
لو كنت أكتب عملًا روائيًا، أو سيناريو فيلم سينمائي يتصل بهذه الحالة التي يشهدها العالم بافتتاح أعظم وأضخم متاحف الآثار في العالم هنا في مصر، في رحاب هرم خوفو، فإنني سأعود إلى تلك اللحظات التاريخية التي كانت تجمعني بالفنان المصري فاروق حصني في نهاية السبعينيات من القرن الفائت، عندما أوفد إلى روما ملحقا ثقافيًا ووكيلًا للأكاديمية المصرية في روما. ثم أصبح مديرًا لهذه الأكاديمية، وكنا نجلس في "بيتزا ديل ببولو "ميدان الشعب"، متطلعين إلى مركز الميدان حيث مسلة رمسيس الثاني التي يعتز بها الإيطاليون كثيرًا، ويقول فاروق حسني هذه هي عظمة مصر، ويأخذنا الحديث عما قدمته الحضارة المصرية القديمة للعالم وعن واع الإيطاليين بها، وهذا التواشج والصراع الذي كان بين الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية وحضارتنا وما إلى ذلك من أمور.
من "الأنتيكخانة" إلى المتحف المصري بالتحرير
كان الحلم موجودًا دائمًا لدى فاروق حسني؛ كيف يمكن لمصر أن تظهر للعالم عظمة هذه الحضارة في عرض متحفي عصري يختلف عما نراه في "الأنتيكخانة" أو المتحف المصري بميدان التحرير.
ويظل هذا هو الهاجس الذي يشغل بال فنان معروف باتساع أفقه ولا محدودية تفكيره، ويتأكد هذا عندما كنت في زيارة أخرى إلى العاصمة الإيطالية، وكنا نجلس في الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وقد أصبح الفنان فارق حسني، مديرًا لها. ولا أزال أذكر هذه الوجوه التي كانت موجودة معي: الفنان آدم حنين النحات المعروف، وزوجته السيدة عفاف الديب، والدكتور سمير سرحان، وزوجته السيدة نهاد جاد مدير تحرير مجلة "صباح الخير" آنذاك، والكاتب الروائي محمد جلال رئيس تحرير مجلة "الإذاعة والتلفزيون" و جاء اتصال تليفوني لفاروق حسني، وكان لا بد من تشكيل وفد مصري يشارك معه في افتتاح جناح المصريات بمتحف نابولي، وكان الوقت قد أزف، فتشكل الوفد منا، وأبلغ به الجانب الإيطالي، الذي رحب ترحيبًا شديدًا وقمنا بهذه المهمة على أفضل وجه.
وأخذ فاروق حسني يتحدث من جديد عن كيفية اهتمام العالم بآثارنا، وكيف أن القطع المصرية في أي متحف في العالم هي بمثابة التاج.
ثم كان ذلك الموقف التاريخي الذي رواه لي فاروق قبل نحو 12 سنة، وسجلته في إحدى المجلات التي رأست تحريرها عندما قال إن فكرة هذا المتحف بدأت في معهد العالم العربي بباريس عندما دعاه رئيس المعهد إلى مائدة غذاء، وقال له سيكون معنا صديق مشترك لي ولك وهو الناشر الإيطالي "فلان" ومن المعروف أن هذا الرجل هو أحد الأثرياء الكبار في إيطاليا وأنه مهتم بالآثار إلى حد كبير، وأنه قريب من رئيس وزراء إيطاليا آنذاك.
وأثناء ذلك الغداء، باغت هذا الإيطالي فارق حسني بكلمة آلمته كثيرًا عندما قال له "انتو عاملين إيه في المخزن اللي عندكم في التحرير؟!"
فرد عليه فاروق حسني "أي مخزن تقصد؟" فقال له "المتحف المصري".
فما كان من فاروق حسني، كما وصف هو في بعض الفيديوهات أيضا، إلا أن قال له "الله هو أنت ما تعرفش.. إن احنا بنعمل المتحف المصري الكبير، فقال له الرجل "فين ده؟" فقال الوزير: جنب الهرم الأكبر"، فرد عليه الثري الإيطالي "أنا جاي أشوفه". ففوجئ فاروق حسني من جديد بهذه الورطة.
وعندما عاد إلى مصر، عرض على الرئيس الراحل حسني مبارك فكرة عمل هذا المتحف، لكن مبارك رفض في البداية لسلل التمويل، فقال له فاروق حسني إن أي مشروع كبير يجد تمويله، وكان هذا الإيطالي قد قال له بإمكاني أن أتحدث مع رئيس الوزراء الإيطالي ليقدم دعمًا لبناء هذا المتحف.
بعد ذلك حدث ما حدث، وقام مبارك ووزير الدفاع بزيارة الموقع مع فاروق حسني لمعاينة الموقع المقترح للمتحف الكبير، وقد قامت اليابان بدعم المشروع، وبدأ العمل.
كانت الفصول التي تتوج اليوم بهذا الحدث الكبير، هذا الافتتاح الأسطوري في، هضبة الهرم، وفي تقديري أن هذا يذكرني إلى حد ما، بمشهد افتتاح قناة السويس واتجاه العالم ملوكا وأمراء إلى مصر لحضور ذلك الحدث غير العادي في ذلك الوقت.
كما يذكرني بافتتاح السد العال في مشهد تاريخي حيث إدارة التوربينات في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وكيف كان هذا انتصارًا للإرادة المصرية على من لا يريدون لمصر أن تعيش.
والمتحف المصري الكبير مدين في الحقيقة، لوعي فاروق حسني ولاتساع رؤيته ووطنيته كإنسان يفكر دائمًا في مصلحة هذا البلد، وفيما يمكن أن نقدمه لفنون مصر وآثارها وحضارتها من خدمات جليلة تعبر حدود الواقع إلى المستقبل.
وهذا ما كان يفكر فيه المصريون القدماء، عندما أبدعوا مفردات هذه الحضارة الخالدة على مرّ القرون، والتي تعجز العالم حتى الآن.
رواية مصطفى عبدالله عن المتحف
فصول روايتي ستتابع تكون هذا البطل الذي نجح في كل المهام التي قام بها منذ كان مديرا للمركز الثقافي المصري في باريس، ثم جاء إلى مصر فأحدث حراكًا ثقافيًا كبيرًا، عندما كان مسؤولا عن ثقافة القاهرة والمكتب الفني لوزير الثقافة، قبل أن يصدر قرار بتوليه مهام عمله في روما. ثم بعد ذلك ما قدم للأكاديمية المصرية في روما من جهود خارقة جعلتها صرجًا مشعًا بالحضارة والثقافة المصرية داخل عاصمة الفن والجمال والحضارة.. روما.
وقد لمست بنفسي كيف كان كبار الفنانين الإيطاليين وكبار الشخصيات السياسية تحضر أنشطة هذه الأكاديمية، وتشارك فيها، ورأيت كم من فناني مصر الكبار أقاموا فيها وانفتحوا على أفق الفن الإيطالي وفنون عصر النهضة، بل وفنون العالم شرقا وغربا من خلال ما كانت تشهده روما.
وأنا أعتبر أن اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بإتمام المتحف الكبير وخروج هذا المشروع للنور في أعظم هيئة، ودعمه بكل الطاقات الممكنة وسط هذه التحديات الخطيرة التي تمر بها مصر، بل ويمر بها العالم على امتداد السنوات الـ 10 الأخيرة، أو ربما أكثر يعتبر إيمانا من رئيسنا المصري بضرورة أن تظل راية مصر مرفوعة، وضرورة أن يقدر حجم مصر بثقافتها وبفنونها وبتاريخها، وليس فقط بحاضرها، فإن كل هذا يتحدث عن خصوصية مصر وزنها، وعطائها للحضارة الإنسانية كلها.