رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جريمة بحق الهوية.. لماذا يعد الحفاظ على الآثار واجبًا وطنيًا وشرعيًا؟

د.هشام ربيع
د.هشام ربيع

تطفو على السطح بين الحين والآخر دعوات متشددة تنادي بـ "هدم تماثيل المتاحف" بوصفها "أصنامًا" يجب التخلص منها، ورغم أنَّ هذه الدعوات قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، إلَّا أنها ليست جديدة، بل تُمثِّل امتدادًا لتيار فكري يتبنى تفسيرًا حرفيًا ومنغلقًا للنصوص الدينية، ويتجاهل مقاصد الشريعة وسياقاتها التاريخية. 

هذا التيار لا يرى في الإرث الحضاري الإنساني سوى تجسيد للوثنية، متغافلًا عن القيمة التاريخية والعلمية والفنية لهذه الشواهد.
تجد هذه الأفكار تطبيقاتها المأساوية في العصر الحديث، كما حدث عندما قامت حركة طالبان بتفجير تمثالي بوذا في باميان بأفغانستان عام 2001م، وهما الأثران اللذان صَمَدا لأكثر من 14 قرنًا. 


ولم يكن تنظيم "داعش" أقل وحشية عندما عمد إلى تدمير آثار مدينة تدمر التاريخية في سوريا، وتحطيم مقتنيات متحف الموصل في العراق باستخدام المطارق وآلات الثقب، هذه الأفعال التي صدمت الضمير العالمي لم تكن مجرد تدمير للحجر، بل كانت محاولة لمحو ذاكرة شعوب بأكملها وقطع صلتها بماضيها.

حسنًا عزيز القارئ... عليكَ الآن أن تستشعر الفرق الدقيق بين "الصنم" كرمز للعبادة و"التمثال" كقيمة فنية وتاريخية، فبين الصنم والتمثال يحصل الالتباس.

يكمن جوهر الخلاف في الخلط المتعمد بين هذين المفهومين، فالصنم هو ما يُصنع ليُعبد من دون الله، سواء كان من حجر أو خشب أو أي مادة أخرى، والعبادة هي القصد الأساسي من وجوده، وهو ما حاربه الإسلام وكل الرسالات السماوية.
أمَّا التمثال فهو عمل فني أو نحتي يُجسِّد شكل إنسان أو حيوان أو كائن آخر، ويُصنع لأغراض متعددة كالتأريخ، أو التكريم، أو الزينة، أو الدراسة العلمية.

والفارق الجوهري بينهما هو "العبادة والتقديس"، فالتمثال الأثري في المتحف لم يعد يمثل رمزًا دينيًا يُعبد، بل أصبح وثيقة تاريخية وأثرًا فنيًا يُدرس، ولم يثبت تاريخيًا أن أحدًا في العصور الحديثة قد عَبَد التماثيل الفرعونية أو الرومانية المعروضة في المتاحف!!
أضف لذلك -وهو الأهم- أنَّ المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ترى جواز إقامة المتاحف وعرض التماثيل فيها، والمستند في ذلك:
أولا: انتفاء علة التحريم، حيث حُرِّمت التماثيل في صدر الإسلام لعلة "سد الذريعة" إلى الشرك بالله، ولأنها كانت مرتبطة بالعبادة الوثنية، وهذه العلة منتفية تمامًا في تماثيل المتاحف اليوم، التي يُقصد بها التعلم والتأريخ وليس العبادة.

ثانيًا: فعل الصحابة والتابعين، فعندما فتح المسلمون بلادًا غنية بآثارها مثل مصر والشام وفارس، لم يقوموا بهدم التماثيل أو المعابد. فقد دخل الصحابة مصر ووجدوا الأهرامات وأبا الهول، ولم يصدر عنهم أمر بهدمها، لإدراكهم أنها لم تعد تُعبد، بل أصبحت جزءًا من تاريخ تلك الأرض.

ثالثًا: قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد"، فإذا كان حفظ الآثار وسيلة لفهم التاريخ، والاعتبار بأحوال الأمم السابقة، وتحقيق منفعة علمية واقتصادية، فإن هذا الحفظ يصبح مطلوبًا شرعًا، لأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد.

رابعًا: تحقيق مقاصد عليا للشريعة، فالحفاظ على الآثار يُحقِّق مقاصد شرعية مثل حفظ العلم، وتنمية الاقتصاد عبر السياحة، وتعزيز الهوية الوطنية، وهي كلها أمور حث عليها الإسلام.
لذلك، فإنَّ الدعوة لهدم هذه الآثار لا تستند إلى أسانيد شرعية صحيحة، بل تعكس جهلًا بمقاصد الدين وتاريخ المسلمين.

عزيزي القارئ: 
الآثار والمتاحف ليست مجرد حجارة صامتة، بل هي "ذاكرة الأمة" المادية، إنها السجل الملموس الذي يروي قصة تطور المجتمعات، فنونها، علومها، ومعتقداتها عبر آلاف السنين. 
وعندما يتم تدمير أثر، فإننا لا نفقد قطعة فنية فحسب، بل نفقد فصلًا كاملًا مِن كتاب تاريخنا، ونقطع حلقة الوصل التي تربط الأجيال الحاضرة بجذورها الضاربة في عمق التاريخ.

 إنشاء أجيال بلا ذاكرة تاريخية يجعلها هَشَّة وسَهْلة الانقياد لأي فكر دخيل أو أيديولوجيا متطرِّفة تسعى لمحو هويتها الأصيلة، فالهوية الوطنية لا تُبنى فقط على الحاضر، بل تتغذَّى من إرث الماضي وتستشرف المستقبل. 
المتاحف -بهذا المعنى- هي مؤسسات حيوية لتعزيز الشعور بالانتماء والفخر الوطني، حيث يرى فيها المواطن، وخاصة الشباب، امتداده التاريخي وعظمة منجزات أسلافه.

وبعيدًا عن كونها مجرد أماكن للعرض، فإنَّ المتاحف تلعب دورًا محوريًا كمراكز للبحث العلمي والمعرفة، فالقطع الأثرية من التماثيل إلى النقوش والمخطوطات هي مصادر أولية لا تُقدَّر بثمن لعلماء الآثار والمؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا، فمن خلال دراستها نتمكن من إعادة بناء التاريخ، وفهم تطور الفنون والعلوم،  وحفظ اللغات القديمة.
وتدمير هذه الآثار هو إغلاق أَبَدِي لباب من أبواب العلم، وحرمان الأجيال القادمة من فرصة فهم ماضيها الإنساني المشترك.


في نهاية المطاف: المعركة حول تماثيل المتاحف ليست مجرد خلاف فقهي، بل هي صراع بين رؤيتين للعالم، رؤية منفتحة ترى في التاريخ جسرًا للمعرفة والتواصل، ورؤية منغلقة لا ترى في الماضي إلا خطرًا يجب محوه.

إنَّ الحفاظ على هذا الإرث ليس تَرَفًا ثقافيًا، بل هو ضرورة حضارية ومسؤولية تاريخية، إنَّه واجبنا تجاه الأجيال السابقة التي تركت لنا هذه الشواهد، وواجبنا تجاه الأجيال القادمة التي من حقها أن ترث تاريخها كاملاً غير منقوص.

فكل تمثال في متحف هو قصة، وكل أَثَرٍ هو شاهد، ومجموع هذه القصص والشواهد هو ما يشكل "الهوية" العظيمة لأمة وحضارة.
ومَن يَهْدِم تاريخه اليوم بيديه، بحُجَّة واهيةٍ أو تفسيرِ ضَيِّقٍ، سيجد نفسه غدًا بلا هُوية، تائهًا في عالم لا يَرْحَم مَن ليس له جذور، والمسؤولية تقع على عاتق كل فرد في المجتمع، مِن صناع القرار والمؤسسات الدينية والتعليمية إلى كل مواطن، ليكون حارسًا أمينًا على ذاكرة وطنه، ويدافع عن عقله وتاريخه ضد دعوات الجهل والتطرف، فالحضارة تبدأ باحترام أثرٍ، وتنهار عندما يتحول العقل إلى مِعول للهدم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء