الطائفية والعرقية.. طرق تمهّد لتفتيت العالم العربي
لا يمكن لمن يتابع المشهد العربي اليوم إلا أن يشعر بقلق عميق إزاء ما يجري داخل أوطاننا من تمزقات متتالية، تزداد حدتها عاماً بعد عام، من المحيط إلى الخليج، تتراجع فكرة “الوطن الجامع” أمام صعود الولاءات الطائفية والعرقية والإثنية، وكأننا نعود عقوداً إلى الوراء، إلى زمن ما قبل الدولة الحديثة.
لقد تحولت الهويات الفرعية – التي كان يُفترض أن تثري مجتمعاتنا – إلى أدوات للانقسام والتناحر، وما نراه في العراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان ليس سوى انعكاس لهذا المسار الخطير، حيث أصبحت الطائفة والقبيلة والحزب أهم من الوطن نفسه. ومع كل صراع داخلي جديد، تتآكل الدولة أكثر، ويضعف شعور المواطن بانتمائه لها.
وأدركت القوى الإقليمية مبكرا أن تمزيق النسيج العربي يخدم مشاريعها التوسعية. فإيران مثلاً استثمرت في البعد الطائفي لتعزيز نفوذها داخل عدد من الدول العربية، مقدّمة نفسها كحامٍ لجماعات محددة. وتركيا استخدمت ورقة القومية والعرق لاستمالة مكوّنات داخل مجتمعاتنا. أما إسرائيل، فهي المستفيد الأكبر من هذا المشهد، إذ يتحقق حلمها القديم في محيط عربي ممزق، منقسم، منشغل بصراعاته الداخلية.
ولا يمكن أن نغفل دور القوى الدولية التي انتهجت سياسة “إدارة الفوضى” لا إنهائها. فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، أصبح واضحاً أن تدمير مؤسسات الدولة العربية وتركها فريسة للانقسامات يخدم هدفاً استراتيجياً وهو منع قيام أي قوة عربية متماسكة يمكن أن توازن النفوذ الغربي أو تهدد مصالحه.
لكن الحقيقة المُرّة أن المسؤولية لا تقع على الآخرين وحدهم.
لا يمكن انكار أننا أيضاً شاركنا في تغذية الانقسام. فحين نُقصي المختلف ونُهمّش الآخر ونسمح بخطاب الكراهية، فإننا نفتح الباب أمام كل من يريد تفتيتنا. لقد آن الأوان لندرك أن بناء أوطان قوية لا يكون بتغليب فئة على أخرى، بل ببناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة والمساواة.
ما تحتاجه منطقتنا اليوم ليس شعارات قومية عاطفية، بل مشروع وطني عقلاني يُعيد الاعتبار للمواطنة الجامعة ويضع حداً لاستخدام الدين أو العِرق كوسيلة للهيمنة.
فالتنوع العربي، إذا أُدير بحكمة، يمكن أن يكون مصدر قوة واستقرار، لا باباً للخراب والتقسيم.
إن الخطر الحقيقي الذي نواجهه اليوم ليس من الخارج فحسب، بل من داخلنا نحن. وإذا لم نستيقظ ونتجاوز هذه الانقسامات المصطنعة، فستُرسم خرائط أوطاننا في عواصم الآخرين، لا في إرادتنا الوطنية.