حرز خاص يحميه الدستور.. هل يجيز القانون تفتيش الهاتف المحمول؟
لم يعد الهاتف المحمول وسيلة اتصال فحسب، بل تحول إلى حافظة إلكترونية تحتوي على أدق تفاصيل حياة الإنسان، وأسراره العائلية، ومحادثاته، وصوره الخاصة، وحساباته البنكية، ومعاملاته التجارية، وهو ما يطرح التساؤلات حول الحالات التي يسمح فيها القانون بتفتيشه.
ويجيب تامر الباشا المحامي والخبير القانوني عن هذا السؤال، في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، قائلا: "الدستور المصري وضع قاعدة قاطعة لا لبس فيها، إذ نصت المادة 57 منه على أن للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تُمس وللمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون، ومن ثم، فإن أي تفتيش لمحتويات الهاتف المحمول دون إذن قضائي أو خارج حالة التلبس يعد انتهاكًا مباشرًا لهذه الضمانة الدستورية".
وأضاف الباشا: "محكمة النقض المصرية باعتبارها مرجعًا لتفسير القانون أكدت في أحكام عدة أن التفتيش إجراء استثنائي خطير، يمس الحرية الفردية والخصوصية، ولا يجوز اللجوء إليه إلا في الحدود التي رسمها القانون (طعن رقم 4984 لسنة 60 قضائية جلسة 3/12/1991، وأن مجرد الاشتباه أو الشك لا يكفيان لتبرير إجراء التفتيش طعن رقم 4442 لسنة 59 قضائية– جلسة 4/12/1989".
وتابع المحامى: "أي إجراء يقع باطلًا يترتب عليه بطلان الدليل المستمد منه، فلا يُعتد به في الإثبات طعن رقم 1163 لسنة 46 قضائية جلسة 4/4/1976، وقد توسع القضاء الحديث في إسقاط هذه المبادئ على الهواتف المحمولة، باعتبارها امتدادًا للحياة الخاصة، شأنها شأن الرسائل البريدية أو المكالمات الهاتفية".
التلبس كاستثناء ضيق
واستطرد: "إلا أن القانون أجاز لرجل الضبط القضائي، في حالة التلبس بجريمة، أن يجري التفتيش، غير أن محكمة النقض شددت على أن التلبس صفة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها، ولا تقوم هذه الحالة إلا إذا شوهدت الجريمة حال ارتكابها، أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة، وطعن رقم 1265 لسنة 29 قضائية جلسة 13/4/1959"، وبالتالي، لا يجوز التوسع في الاستناد إلى حالة التلبس لتبرير تفتيش الهواتف المحمولة، وإلا أُهدرت الحماية الدستورية التي قررها المشرع".
وأكد المحامي أن الهاتف المحمول ليس مجرد جهاز تقني، بل هو حرز خاص يتمتع بأقصى درجات الحماية الدستورية والقانونية، وأي محاولة لتفتيشه بغير إذن النيابة العامة أو دون توافر حالة تلبس صحيحة تُعد باطلة، وما ينتج عنها من أدلة لا يُعتد به أمام القضاء، وإن دولة القانون لا تقاس فقط بسن القوانين، وإنما بالالتزام بتطبيقها واحترام الحقوق والحريات، وحماية الخصوصية ليست ترفًا، بل هي أساس للعدل وسيادة القانون".