افتتاح المتحف المصري الكبير واستعادة الوعي الحضاري
الافتتاح المرتقب للمتحف المصري الكبير، يُعيد إلى الأذهان ذلك اليوم الخالد من تاريخ القاهرة، الخامس والعشرين من أغسطس عام 2006، حينما استيقظت عاصمة الشرق على مشهدٍ مهيبٍ لنقل تمثال الملك العظيم رمسيس الثاني من وسط القاهرة إلى مقره الجديد في المتحف المصري الكبير.
لقد كانت تلك الرحلة الملكية حدثًا استثنائيًا وموكبًا حضاريًا مهيبًا، أعاد إلى وجدان المصريين وهج مجدهم الضارب في عمق التاريخ.
ففي ذلك اليوم، استعاد الشعب المصري بفخرٍ وعزة صورة ملكه الأسطوري رمسيس الثاني، أحد أشهر ملوك العالم القديم، وثالث ملوك الأسرة التاسعة عشرة، وزوج الملكة نفرتاري، وصاحب أول معاهدة سلام في تاريخ البشرية، التي أبرمها مع الحيثيين قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
إنَّ رحلةَ الملك رمسيس الثاني، وما سيتبعها من افتتاحٍ للمتحف المصريِّ الكبير، تمثِّلان حدثين عظيمين يضافان إلى سجل التاريخ، ورسائلَ متجددةً تبعث في نفوس الأجيال المعاصرة الثقةَ بأنفسهم، والفخر بحضارتهم، والانتماء لوطنهم. إنها تذكيرٌ بأنهم أبناء حضارةٍ لم يعرف التاريخ لها مثيلًا، وأنَّ الجينات التي شيَّدت الأهرامات، ونقشت المعابد، ودوَّنت أوائل صفحاتِ الإنسانية، ما تزال نابضةً في عروقِ هذا الشعبِ العظيم.
ولعل الافتتاح المنتظر للمتحف المصري الكبير، بما يحمله من رمزية حضارية وإنسانية، سيكون جسرًا يربط الماضي المجيد بالحاضر الواعد، ودعوة مفتوحة لكل مصري ليؤمن أن عظمة أجداده ليست حكاية تُروى، بل إرثٌ خالد يواصل أبناء النيل كتابته كل يوم.
إننا اليوم أمام فرصة ذهبية نادرة لا تتكرر كثيرًا، لاستعادة وعينا الحضاري واستنهاض روحنا الوطنية. فتاريخنا العريق يذكّرنا بأن أسلافنا كانوا رجالًا عباقرة يعملون بجهدٍ متواصل وإيمانٍ عميق برسالتهم في البناء والخلود، من أجل تشييد صرح هذه الحضارة المصرية المبهرة. كانوا يتحلون بالقيم الإنسانية والأخلاقية من صدقٍ وأمانةٍ وإخلاصٍ في العمل، ولولا تلك القيم ما استمرت مبانيهم الشاهقة ومعابدهم الشامخة ونقوشهم البديعة، آلاف السنين حتى وصلت إلينا. فالمبنى الحضاري ما كان ليستمر آلاف السنين، ويبهرُ الزوار شرقًا وغربًا إلا إذا كان من بناه يتحلى بالصدق والأمانة وعدم الغش وتحمل المسئولية...
لقد أثبت المصري القديم أن الحضارة لا تقوم على الحجر وحده، بل على جناحين متكاملين، يسيران جنبًا إلى جنب: جناح ماديّ يمثل العلم والعمل، وآخر قيميّ أخلاقيّ يحفظ للعمل خلوده. وصدق شاعر النيل "حافظ إبراهيم" حين قال على لسان مصر:
"وأقيموا دولتي على العلم والأخلاق... فالعلم وحده ليس يجدي" .
إنّ ما نشهده اليوم من صراعاتٍ مدمّرة وكوارث وحروب وجرائم بلغت حد الإبادة الجماعية للأبرياء، إلا شاهدٌ على ما يجرّه التقدّم العلمي من كوارثٍ حين يُجرّد من الأخلاق، وما يصنعه الاختلال بين العقل والضمير، والعلم والقيم. ومن ثم فإن الجناح القيمي الأخلاقي في أي حضارة هو الكابحُ لجموح التطور العلمي، والضامن لأنسنة العلم وتوجيهه لخدمة البشرية، لا العكس.
إن قضية الوعي الحضاري قضية مصيرية تمسّ مستقبل الأجيال الحالية والمقبلة. وتتجسد أهميتها في أن نتعرف على حضارتنا العظيمة بطريقة تحفّزنا على العمل والبناء، وأن يُحرّك مرورنا أمام متاحفنا وآثارنا المصرية في داخلنا طاقةً للتطوير والتحديث وصنع الحضارة.
ولن يتحقق ذلك إلا بعملٍ دؤوبٍ وتنسيقٍ فعّال بين المؤسسات التعليمية والإعلامية والفنية، حتى تعود الحضارة المصرية لتكون منارة وعيٍ وبوصلة أمل، وحتى يستمر المصريون في السير على نهج أسلافهم في البناء والتعمير وصنع الحضارات.
إنَّ من أعظم فوائد دراسة تاريخ مصر عبر عصورها المختلفة أنها تُعرّفنا، وتُعرّف شبابنا وبناتنا، بأن الذين بنَوا الأهرامات والمتاحف المبهرة، وأقاموا أول حضارةٍ على ضفاف النيل، هم أجدادُنا، وأن الذين شيَّدوا المساجد العظيمة، والكنائس التاريخية، والقلاع المحصَّنة، هم أجدادُنا، وأن الذين حفروا قناة السويس، وبنوا الترع، وشقّوا المصارف بعرق الجبين وإرادةٍ لا تلين، هم أجدادُنا. ونحن من أجدادِنا، وأجدادُنا منَّا؛ فلماذا نعجز عن أن نفعل ما فعلوا؟
كلُّ ذلك نُعلّمه لأبنائنا في مناهجنا التعليمية، غير أنَّ الطريقة التي ندرّس بها يعوزُها بعض الدقة، كما يعوزُ الهدف شيء من التعديل. فالطريقة ينبغي ألّا تكون سردًا جامدًا للأحداث، بلا روح أو رسالة، بل ينبغي أن تكون طريقةً محفّزةً، تحرّك الطاقات، وتستنهض الهمم، وتعيد إلى طلابنا الروح الحضارية، وتبعث فيهم الوعي والثقةَ بأنهم أحفاد عظماء ملأوا الدنيا علمًا وعملًا، وأنه لا يليق بهم إلا أن يقتدوا بهم، ويسعوا إلى ترك إرثٍ خالدٍ للإنسانية جمعاء.
لكنَّ المؤسف أنَّ مناهجنا التعليمية، وبرامجنا التلفزيونية، وإبداعاتنا الدرامية، لا تزالُ قاصرةً عن تحقيق هذا الهدف النبيل، وهو ما أثار في السنوات الماضية جدلًا واسعًا حول جدوى تدريس مادة التاريخ، في مشهدٍ أحزنَ كلَّ من يحبّ هذا الوطن، ويدرك عظمة تاريخه الملهم.
حفظ الله مصر، وكتب لأبنائها استعادة وعيهم الحضاري، ليواصلوا مسيرة أجدادهم في بناء مجدٍ جديد يليق بوطنٍ صنع التاريخ وعلّم الإنسانية معنى الحضارة.