رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قوة مصر العلمية (1).. المركز القومي للبحوث قلعة ترفع راية الوطن

محمد رفعت
محمد رفعت

حين نتحدث عن قوة مصر الشاملة ، يتبادر إلى الأذهان الفن والثقافة والإعلام، باعتبارهم من  صنعوا لمصر مكانة في وجدان الشعوب ، وتسمى بالقوة الناعمة  ، لكن خلف ذلك تقف قوة أخرى لا تقل أهمية، بل ربما تفوقها أثراً في حاضر الدولة ومستقبلها وقوة تأثيرها ومكانتها ، وهي قوة مصر العلمية.

هي قوة صامتة لا تبحث عن الأضواء، لكنها تصنع الإنجازات في المعامل والمراكز البحثية والجامعات، حيث يعمل آلاف العلماء والباحثين ليلًا ونهارًا من أجل خدمة وطنهم، وتحويل المعرفة إلى تنمية، والعلم إلى إنتاج، والفكر إلى إنجازات ملموسة.


هذه القوة الحقيقية لمصر - التي لا تُرفع لها اللافتات ولا تُخصّص لها الشاشات - هي ما سنسلط عليه الضوء في هذه السلسلة من المقالات ، سنكشف ملامح المؤسسات العلمية الوطنية التي تنهض بالصناعة والزراعة والطب والطاقة، ونُعيد تقديم علماء مصر الذين أثروا في حياة الناس دون ضجيج، ونُبرز كيف يمكن للعلم أن يكون أداة مصر الكبرى لبناء المستقبل كما كانت الثقافة والفن أدوات صنعت لمصر مجدا لا ينكره أحد .
 

 الحلقة الأولى ستكون عن " المركز القومي للبحوث (NRC) " ، الذي يُعد بحق أكبر وأهم صرح علمي بحثي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبيت الخبرة الأول للدولة المصرية في مجالات البحث العلمي والتطوير والابتكار.


تأسس المركز القومي للبحوث عام 1956 بقرار من الزعيم جمال عبد الناصر، في واحدة من أعمق الرؤى الاستراتيجية للدولة المصرية الحديثة، التي أدركت مبكراً أن النهضة لا تبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى قوة علمية قادرة على الاكتفاء الذاتي والتطوير المستمر.


منذ ذلك الحين، أصبح المركز أحد أعمدة المشروع الوطني الذي أراده " ناصر "  لمصر المستقلة ، دولة تملك علمها، وتُدير مواردها بعقول أبنائها.
يضم المركز القومي للبحوث 15 معهدًا بحثيًا رئيسيًا تغطي عدداً كبيراً من التخصصات العلمية والتطبيقية.


من العلوم الطبية والصحية إلى الصناعات الدوائية والغذائية، ومن الهندسة والطاقة المتجددة إلى العلوم الزراعية والبيئية، ومن تكنولوجيا النانو إلى التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، يعمل الباحثون المصريون داخل معامل المركز على مواجهة تحديات التنمية بحلول علمية وطنية.


يضم المركز أكثر من 4100 عضو هيئة بحوث تقريبا ، يتدرجون في الدرجات الأكاديمية من باحث مساعد حتى أستاذ باحث، ويشرف على مئات رسائل الماجستير والدكتوراه سنوياً، ما يجعله أكبر مؤسسة علمية لإعداد الكوادر البحثية في مصر.


لم يكن المركز القومي للبحوث يومًا مؤسسة أكاديمية مغلقة، بل هو ذراع الدولة العلمي ، فهو يقدم حلولًا واستشارات علمية للوزارات والهيئات الحكومية، ويقود مشروعات قومية في مجالات تحلية المياه، و ترشيد الطاقة، و تطوير المحاصيل، ومعالجة المخلفات الصناعية والزراعية.


كما أنتج مئات براءات الاختراع التي ساعدت في دعم الصناعة المحلية ونقل التكنولوجيا، ونجح في تطوير منتجات دوائية وغذائية وطنية، مما يقلل من الاعتماد على الاستيراد ويعزز الاقتصاد القومي.

ويحتل المركز بفضل هذه الجهود مكانة متقدمة في التصنيفات الدولية مثل تصنيف  " سيماجو " للمؤسسات البحثية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ليصبح اسماً مصرياً لامعاً في خريطة البحث العلمي العالمي.


من بين جدران المركز القومي للبحوث خرجت عقول مصرية لامعة خدمت وطنها والعالم بإنجازاتها منهم الدكتور محمد القصاص، أحد أبرز علماء البيئة في العالم العربي،إلى جانب عشرات العلماء الذين أسهموا في تطوير الصناعة والدواء والطاقة والغذاء داخل مصر وخارجها.
ويفخر المركز بإسم العالم الدكتور محمود يوسف سعادة  أحد أبرز العلماء المصريين الذين عملوا في المركز القومي للبحوث، ويُعرف بدوره الوطني المحوري الذي وصف بأنه "جندي مجهول" أو "بطل الظل" في حرب أكتوبر 1973 وعمل أستاذًا بقسم التجارب نصف الصناعية بالمركز القومي للبحوث  وفي تخصص دقيق جدا في الكيمياء التطبيقية، وتحديدًا في مجال وقود الصواريخ  واستعانت به القوات المسلحة قبل حرب اكتوبر بفترة وجيزة لفك شفرة ومعالجة وقود صواريخ "سام" (أرض-جو) التي كانت منتهية الصلاحية بعد طرد الخبراء السوفييت
و نجح في معجزة علمية خلال شهر واحد في إعادة تصنيع واستخلاص 45 طنًا من الوقود الصالح من المخزون التالف، مما مكن سلاح الدفاع الجوي المصري من أداء دوره خلال الحرب، و يضم المركز القومي للبحوث آلاف الباحثين المتميزين، وكثير منهم يتصدرون التصنيفات الدولية ، ويمكن الإشارة إلى رموز تاريخية وحالية منهم الدكتور ممدوح معوض رئيس المركز القومي للبحوث حالياً و د. حسين إبراهيم عبد الشافي ، المتخصص في بحوث البيئة والمياه ، و د. حُسام إمام ، المتخصص في علوم الهندسة ، و د. محمد السعيد حسنين عالم الكيمياء والفيزياء  ، و د. عبد التواب موسى عالم الزراعية والمبيدات. و د. طارق خطاب  استاذ الكيمياء ، والدكتور مراد موسى سليمان عالم الزراعة الذي رحل مبكرا ولكنه ترك ارثا علميا مهما مازال يتفاد به تلاميذه 
والدكتورة سامية التمتامي، التي وضعت أسس علم الوراثة البشرية .
يُظهر هذا التنوع أن المركز يشمل كفاءات عالية في مجالات حيوية مثل الطب، والصناعة، والطاقة، والزراعة، والبيئة، والهندسة.
وترأس المركز  لفترة كبيرة الراحل الدكتور هاني الناظر أستاذ الأمراض الجلدية الشهير، هؤلاء يمثلون وجهاً مشرفًا لقوة مصر العلمية التي أثبتت أن العقل المصري لا يقل نبوغًا عن أي عقل في العالم إذا توافرت له البيئة الداعمة.
ولدينا أيضأ عقول أخرى تفخر بهم مصر ممن  تعاونوا مع المركز كقوة علمية تساعدهم في اتمام أبحاثهم منهم العالم الكبير الدكتور مصطفى السيد، رائد استخدامات تكنولوجيا النانو في علاج السرطان، ، والعالم الدكتور أحمد مستجير، أحد مؤسسي الهندسة الوراثية في الزراعة الحيوية،كما يمتد دور المركز إلى الخدمة المجتمعية المباشرة من خلال عياداته الطبية المتخصصة في التغذية، والسمنة، والطب التكميلي، والوراثة الإكلينيكية، إلى جانب بحوث البيئة التي تساهم في معالجة تلوث الهواء والمياه وتدوير النفايات ، ويعمل أيضأ على نشر الثقافة العلمية والتوعية المجتمعية، إيمانًا بأن العلم ليس رفاهية بل أداة حياة.
 

الخلاصة أنه في زمن تتسابق فيه الأمم على أساس ما تملكه من عقول لا من ثروات، يصبح دعم المؤسسات العلمية مثل المركز القومي للبحوث واجبًا وطنيًا ، لقد آن الأوان لأن نعيد الاعتبار إلى علمائنا ومراكزنا البحثية، وأن نعتمد على خبراتهم في اختيار القيادات العليا وصياغة القرارات التنموية.
وكما كانت الثقافة والفن هما قوة مصر الناعمة التي أثرت وجدان العالم، فإن العلم هو قوتها الصلبة الناعمة التي ستحقق لها الاستقلال الحقيقي والتقدم الدائم .
في الحلقة القادمة يمتد الحديث عن قلعة علمية أخرى تفخر بها مصر وشعبها .
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء