برلمان العينات الممثّلة
وجدتني وأنا أشرح لطلاب الدراسات العليا درسًا في مناهج البحث الاقتصادي، أطوف بهم بين أسباب تحيّز العينات التي تسحب من مجتمع بغرض تمثيله. وعلى الرغم من كون هذا الدرس يجمع في ثناياه طرفًا من الاقتصاد وآخر من الإحصاء إلا أن العلوم السياسية كانت حاضرة وبقوة في ضميري، إذ انتبهت إلى ما عساه مشترك بين آليات سحب العينات الممثلة، وانتخاب أعضاء الغرف البرلمانية.
فإذا جاز ألا يشترط في العينات أن تكون كبيرة الحجم حتى تعكس سلوك أو رأي كافة أفراد المجتمع، إذ يكفي فقط أن تكون عشوائية تتمتع بفرص متساوية في السحب، فكذلك عضو البرلمان الذي يمثّل دائرته أو شعبه، يجب أن يتمتع بفرص متساوية في الترشّح والدعاية لنفسه وبرنامجه، غير متجانف لمال أو سلطة أو حظوة، وغير مستبعَد لعداوة أو خصومة أو سبب دون ذلك. ولا تكتمل الحلقة في عملية الاختيار إلا بتمتع الناخب أيضًا بكافة حقوق وفرص الانتخاب. فلا يمنعه من التصويت أي مانع مادي أو نفسي مفروض عليه.
بل إن عزوف الناخبين عن التصويت، حتى لو تحررت بيئة الترشّح والدعاية، يحول دون انتخاب برلمان متوازن ممثّل لمجتمعه. إذ أن فكرة العشوائية في الاختيار (غياب الاختيار العامد المتحيز) تحضر في العملية الانتخابية عن طريق كثرة الناخبين. ها هي مختلف الفئات والطبقات تصوّت في الصندوق متى توافرت بهم شروط الأهلية، فلا تستأثر جماعة منظّمة أو تنظيم سياسي بعملية الانتخاب، وهذا يتحقق في الانتخابات البرلمانية، متى ارتفعت نسبة التصويت إلى إجمالي من يحق لهم الاقتراع، وكانت الأسماء المرشّحة معبّرة عن فئات اجتماعية وثقافية ومهنية مختلفة، وحضرت الأقليات بحقوق متساوية في الترشّح والاقتراع، ومتى اقتصر دور أجهزة الدولة على التنظيم والإدارة للعملية الانتخابية.
وبعيدًا عن منطق الحقوق والحريات وتكافؤ الفرص، الذي يعكف على دراسته أصدقاؤنا المختصون بعلوم السياسة، وبعيدًا عن منطق التزوير والانتحال وتزييف إرادة الجماهير، الذي يعكف عليه أصدقاؤنا المختصون بالتشريعات وتطبيقاتها، فإن انحراف تشكيل البرلمان عن أسباب الحياد والاختيار الحر، يجعل منه بؤرة متجانسة من أعضاء لا يمثلون إلا فكر أو اتجاه واحد.
هذا التحيّز له تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة، أول تلك التداعيات وأوضحها للعيان هو أن المؤسسة النيابية تفقد معناها ورسالتها، وتصبح مفرغة تماماً من الغرض الذي خلقت من أجله، إذ أن خاصية "التمثيل" غير متوافرة، بمعنى التعبير عن مختلف الآراء والتوجهات، لكنها ربما تكون حاضرة بمعناها الدارج الدال على "التشخيص"، إذ تبدو المؤسسة و"كأنها" برلمانية في ظاهرها، ولا تقوم بهذا الدور بأكثر مما يقوم به ديكورات المناطق الشعبية في استوديوهات التصوير، هياكل خشبية تفوح منها رائحة الطلاء، لا تُسكن ولا يرجى منها نفع بخلاف صناعة المشاهد.
ومن التداعيات السلبية لانحياز العينة البرلمانية، عجز المجلس عن الاضطلاع بدوره في التشريع والرقابة وإقرار الموازنات العامة، إذ أنه في مجموعه لا يرى أى موضوع إلا من زاوية ضيقة، ولا يقرّ أمرًا إلا باتجاه متحيّز بعيد عن التوافق المجتمعي، فلا تهدأ المجتمعات ولا تقرّ بوجود المؤسسة، ولا تسيغ لها مساهمة.
تخيّل معى مجموعة تركيز focus group تم جمعها في مكان واحد لاستطلاع رأيها في منتج جديد أو برنامج انتخابي أو حلقة تلفزيونية.. لكن تلك المجموعة متحيزة، تم جمعها من شارع واحد، بل من عمارة سكنية بعينها، لا شك أن رأي تلك المجموعة لن يعبّر عن رأي الشارع الذي تسكنه، ناهيك عن عجزها دون التعبير عن رأي مدينتها أو بلدها، فلماذا جمعت إذن؟! هي تعطي إشارات ملتبسة مضللة، وتجعل متخذ القرار بشأن المنتج أو البرنامج أو الحلقة يضل في مسعاه، فلا يناسب منتجه المادي أو الفكري ذائقة المجتمع، ولا يحقق العائد المطلوب من إنتاجه وطرحه في الأسواق، كذلك هيئة المحلفين في محاكم الولايات المتحدة، وغيرها من الدول التي تأخذ بهذا النظام القضائي، متى كانت منحازة، فإن نظام العدالة كله يهوي، وتصدر الأحكام محققة لمصالح ضيقة مشبعة لأهواء آحاد الناس، وليس نسيج المجتمع كله.
وكلما التأمت مصالح خاصة مشتركة لأفراد العينة بعيدًا عن الصالح العام، كلما زادت فرصة التحيّز في قراراتها وآرائها. بل إن تشابه ذائقة أفراد العينة يعزز من فرص هذا الانحياز، فلا يمكن أن تدعو مجموعة من محبي فن الأوبرا للتصويت على إصدار أغنية شعبية صاخبة، لأن أذواق المشمولين بالبحث لن تنصف هذا اللون من الفنون، بل ربما لا تعترف به على الإطلاق.
كل ذلك ولم آت على ذكر ما لا يخفى على أحد من فواتير تثقل كواهل المرشّحين لصالح من اختارهم، وتثقل خزانة الدولة بتحويلات مالية عبثية لشراء الكراسي النيابية، أو لدعاية لا تخاطب أحدًا، ولا تصب كل تلك التدفقات في أية عملية إنتاجية، ولا تسدد للدولة ضرائبها، ولا ينتفع بها إلا القليل.
فإذا غابت أدوار المجالس النيابية، بحثت الدولة عن كيانات موازية للقيام بدورها أو جانب منه، وانفقت من أجل ذلك الكثير من المال والوقت المهدر. فالدولة إن أرادت حوارًا وطنيًا حول قضية هامة، التمسته في كيانات موازية مختارة، لكنها في الواقع أكثر تمثيلًا عن أطياف واتجاهات الشعب من المجالس المنتخبة "شكليًا" إذ أن الضرورة فرضت وجود هذا التمثيل الأكثر اعتدالًا.
ولا تزال تلك الكيانات الموازية تحظى بثقة وتقدير أكبر (نسبيًا) من المجلس النيابي الدستوري، حتى ليتهافت على عضويتها والمشاركة فيها ومزاحمة تشكيلها المعين أعضاء ذلك المجلس، ربما لأنهم وجدوا الشارع أكثر تفاعلًا مع منتج تلك الكيانات الموازية.
تصدر إذن موازنة الدولة غير معبّرة عن الشعب وأولوياته ونخبه المختصة. يصدّق على المعاهدات والقروض التي تلزم الأجيال، فلا تكاد تحقق الصالح العام، إلا من وجهة نظر مجموعة بعينها، توجّه السهام الرقابية لوزراء يغردون خارج السرب، حتى وإن كان تغريدهم يرقى للمواطن وينسجم مع معاناته، يمرر البرنامج الحكومي لا لكونه الأفضل والأنسب، بل لكون عينة متحيزة في تشكيلها وفكرها وأيديولوجيتها وولائها قد أقرّته، النائب الذي نصّبه المال السياسي سيكون نائبًا للمال، وذلك الذي أتى به شخص نافذ، سيمثّل إرادة هذا الشخص، والذي أتى به الشعب لن يكون مديناً إلا للإرادة الشعبية.
لقد لفظ المجتمع المصري جماعة الإخوان كونها جماعة إقصائية، تريد أن تختزل الشعب في جماعة، وتختزل الجماعة في مكتب وتختزل المكتب في مرشد، تحرّكه أجندة لا علاقة لها بأولويات الوطن والمواطن، ولا تزال مصر تمتلك فرصة عظيمة في أن تنطلق نحو تمثيل متوازن لكافة فئات وطوائف المجتمع، خاصة بعد انحسار خطر جماعات التأسلم كلاعب مؤثر في الحياة السياسية، ونجاح القيادة السياسية في تحقيق هذا الهدف، يؤهلها أن تضع مصر على طريق المشاركة الشعبية الواسعة. فالشعب الذي يشارك، يقدّر الظرف الاقتصادي، يحتمل الضغوط، يسوّق للسردية الوطنية الجامعة على الوجه المحقق لمصالحه وأسباب بقائه.