الماسونية والنورانية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط
منذ قرون، ظلت المنظمات السرية محورًا للجدل والنقاش بين المؤرخين والمفكرين، ومن أبرز تلك المنظمات الماسونية والنورانية، اللتان تُتهمان في العديد من النظريات بأن لهما تأثيرًا خفيًا على مجريات السياسة والاقتصاد والثقافة في العالم،
ونتناول في هذه المقالة تاريخ هاتين الحركتين وطبيعة العلاقة بينهما، وأهدافهما كما يراها البعض، خصوصًا فيما يتعلق بالعالم الإسلامي، والشرق الأوسط.
ولتكن البداية بماهية الماسونية، وهي جمعية سرية تعود جذورها إلى نقابات البنّائين في القرون الوسطى بأوروبا، لكنها تحولت تدريجيًا في القرن السابع عشر إلى منظمة فكرية واجتماعية تضم نخبة من المثقفين والساسة.
أبرز مبادئها المعلنة: (الإيمان بالعقل كمرجع أعلى - الدعوة إلى الحرية والمساواة والأخوة - فصل الدين عن الدولة)، بينما يرى كثيرًا من الباحثين أن هذه المبادئ استخدمت كغطاء لأهداف خفية، أهمها نشر العلمانية المطلقة وهدم العقائد الدينية التقليدية، وخاصة الإسلام الذي تتسم شريعته بكونها نظامًا شاملاً للحياة.
ومن أهم رموزها، العين داخل المثلث، والرقم (13)، ففي شعار الدولار الأمريكي يظهر الهرم غير المكتمل تعلوه العين داخل المثلث كرمز للعناية الإلهية التي تراقب الأمة وتحميها، بينما يمثل الهرم القوة والاستقرار، وكونه غير مكتمل يشير إلى أن مشروع الولايات المتحدة ما زال في طور البناء والتطور.
والرقم (13) المتكرر في التصميم (13 نجمة، 13 سهمًا، 13 ورقة زيتون، 13 درجة في الهرم) فيرمز رسميًا إلى الولايات الثلاث عشرة الأصلية التي أسست الاتحاد الأمريكي، غير أن بعض التأويلات الرمزية والباطنية تربط العين والهرم والرقم 13 بفكرة الاستنارة، والنظام الجديد، والمعرفة الخفية التي تقود البشرية نحو عصر جديد، ما جعل الرمز محورًا للعديد من نظريات المؤامرة حول النفوذ الماسوني أو النخب العالمية.
أما النورانية، فقد تأسست سنة 1776م في بافاريا (ألمانيا) على يد أستاذ الفلسفة آدم وايسهاوبت، وكانت البداية بدعوى نشر الأنوار والعقلانية والتنوير ضد هيمنة الكنيسة، لكن سرعان ما توسعت الحركة لتتخذ طابعًا سياسيًا يهدف إلى إسقاط الأنظمة الملكية، وإقامة حكومة عالمية موحدة.
وتشير دراسات كثير من الباحثين في تاريخ الجمعيات السرية، أن النورانيين تسللوا إلى الماسونية في أواخر القرن الثامن عشر، واستخدموا شبكتها الواسعة لتوسيع نفوذهم، ومن ثم يمكننا القول أن النورانية تمثل القيادة الفكرية، بينما الماسونية تمثل الإطار التنظيمي والتنفيذي، وبشكل أكثر وضوحًا الماسونية كانت الأداة التي استخدمتها النورانية إلى تحقيق مشروعها الأشمل، ألا وهو النظام العالمي الجديد.
وهكذا يستبين، ووفقًا للنظريات والتحليلات المختلفة، فإن الهدف النهائي المشترك بين الماسونية والنورانية هو إعادة تشكيل العالم تحت سلطة نخبة عالمية واحدة، وتُختصر أهم أهدافهم في المحاور التالية:
1. السيطرة الاقتصادي، من خلال البنوك المركزية، والمؤسسات المالية العالمية.
2. التحكم الإعلامي والثقافي، لنشر قيم الإلحاد والمادية، والانحلال الأخلاقي.
3. إلغاء الهوية الدينية والقومية، لتسهيل السيطرة على الشعوب.
4. فرض نظام عالمي موحد، في الجوانب الاقتصادية، السياسية، الثقافية، والقانونية.
وتشترك الحركتان في محاربتهما لفكرة الأديان بصفة عامة، ويُعتبر الإسلام العقبة الكبرى أمام هذه المشاريع لعدة أسباب ومنها، (لأنه دين شامل يوازن بين الروح والمادة، دون الخضوع لسلطة بشرية مطلقة - رفض الربا والمادية والهيمنة الغربية - المحافظة على الأسرة والقيم الأخلاقية، التي يرونها عائقًا أمام تحرير الإنسان وفق مفاهيمهم).
ومن ثم، تستهدف هاتان الحركتان، (تشويه صورة الإسلام عبر الإعلام والسينما - دعم حركات الإسلام العلماني، لتفريغ الدين من مضمونه - إثارة الصراعات داخل العالم الإسلامي لتمزيقه سياسيًا وثقافيًا).
ولا مراء في أن كثيرًا مما أسلفناه، يستند إلى وثائق تاريخية وشهادات أعضاء سابقين، وما يدعم ذلك هو وجود شبكات نفوذ عالمية تعمل خارج الأطر الديمقراطية التقليدية، وتستخدم المال والإعلام لتوجيه الرأي العام.
ومن خلال استعراض مستهدفات الحركتين، لا سيما تجاه الإسلام الذي يدين به غالبية شعوب الأمة العربية، ومركز ثقلها "مصر المحروسة"، لهذا كانت دومًا هدفًا أساسيًا لأي مشروع يسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ومنذ القرن التاسع عشر، نظرت إلى مصر باعتبارها قلب الشرق، ومفتاح السيطرة على العالم العربي والإسلامي، لكونها (ذات موقع جغرافي استراتيجي - الرمزية التاريخية كمركز للحضارات القديمة - الثقل الديني والثقافي، ووجود الأزهر الشريف، ذو التأثير الفاعل في الوعي الإسلامي).
جدير بالذكر أن الماسونية دخلت إلى مصر مع النفوذ الأوروبي في القرن التاسع عشر، حيث أُنشئت أول المحافل الماسونية في الإسكندرية والقاهرة حوالي عام 1798م بعد الحملة الفرنسية، ثم انتشرت في عهد محمد علي وأبنائه، وطرحت الماسونية نفسها آنذاك، كنادي ثقافي حر، يدعو إلى التنوير والنهضة، لذلك لم يكن الجميع يدرك البعد السياسي أو العقائدي الخفي للحركة، وازدهرت المحافل الماسونية، خاصة في القاهرة والإسكندرية، وكانت تضم بعض النخب الاقتصادية والإعلامية والفنية، حتى قيام ثورة يوليو 1952.
وأغلقت السلطات المصرية جميع المحافل الماسونية رسميًا عام 1964، بعد أن اعتُبرت هذه التنظيمات مرتبطة بالصهيونية العالمية.
بينما جماعة النورانيين لم تظهر تنظيمًا فعليًا في مصر، فإن الأفكار المرتبطة بهم، مثل العلمانية المادية، ونظام العولمة الثقافية، ونزع القداسة عن الدين دخلت البلاد عبر (التعليم الغربي والبعثات الأوروبية - الإعلام والمنصات الثقافية الحديثة - السينما والموسيقى التي تروّج لرموزهم).
ولا تدخر الحركتان جهدًا، في تحقيق مستهدفاتهم تجاه مصر، من خلال (ضمان بقاء مصر ضمن النظام العالمي الخاضع للغرب اقتصاديًا وسياسيًا - منع أي نهضة فكرية أو إسلامية قد تمتد منها إلى بقية العالم العربي - دعم التوجهات التي تُضعف الانتماء الديني - التأثير في الإنتاج الفني والإعلامي لنشر قيم العولمة والانفتاح غير المنضبط - تغذية الصراع بين التيارات الفكرية داخل المجتمع - تشويه الرموز الإسلامية التاريخية واستبدالها بنماذج غربية - محاولة تحييد الأزهر الشريف أو جعله مؤسسة "روحية فقط" بلا تأثير سياسي أو فكري عالمي).
بقي أن نشير إلى أن تحصين المصريين من الأفكار الماسونية أو النورانية، لا يكون بمواجهة الشعارات أو الرموز فقط، بل عبر تعزيز الوعي والفكر النقدي في المجتمع، فالمجتمع المتعلّم الواعي هو الأكثر مناعة ضد أي فكر دخيل أو منحرف، ويبدأ ذلك من التربية والتعليم، بتنشئة الأجيال على فهم صحيح للدين يقوم على العقل والحكمة لا على التقليد الأعمى أو الخرافة، ومن خلال إحياء الهوية المصرية الأصيلة التي تجمع بين الإيمان العميق والانفتاح الثقافي.
كما يجب دعم الإعلام والثقافة الوطنية لتقدّم معرفة موثوقة لا تروّج للشائعات أو نظريات المؤامرة، وتشجيع الحوار المفتوح بدل المنع أو القمع، لأن الفكرة تُهزم بالفكر لا بالخوف.
كذلك، ينبغي للمؤسسات الدينية كالأزهر والكنيسة أن تستمر في توضيح الفروق بين الإيمان الحقيقي والتيارات الباطنية أو السرية، مع ترسيخ قيم العدالة والعلم والعمل الجماعي، فهي الحصن الحقيقي لأي شعب أمام محاولات الاختراق الفكري أو الثقافي.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،