رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذاكرة الجدران.. لماذا لا تنسى القاهرة أصوات أحلامها؟

د.حامد عيد
د.حامد عيد

 هل سبقَ أن وقفتَ في مكانٍ ما، فغمرتكَ فجأةً ذاكرةٌ صوتية؟ أغنيةٌ قديمة، همسةٌ، ضحكةٌ، أو هتافٌ عالقٌ في الزمان؟ في تلك اللحظة، تدركُ أن الصوتَ هو خيطُ الروحِ الذي يربطنا بالماضي، ليس كتاريخٍ مجرد، بل ككائنٍ حيٍ ينبضُ في حاضرنا.


هذا بالضبط ما تدور حوله سلسلة مقالاتي الاستثنائية التي أتناولها معكم تحت عنوان: "الجدران تتذكّر وجوههم: الذاكرة الصوتية، والمقاومة الوجدانية، والسياسة العاطفية بين ميدان التحرير وحملة ترامب الانتخابية". وهو موضوع ورقة بحثية كتبتها بالانجليزية وارسلتها للنشر بعنوان" The Walls Remember Their Faces: Acoustic Memory, Emotional Resistance, and Affective Politics between Tahrir Square and the Trump Campaign. 
هذا ليس تحليلاً سياسياً تقليدياً يروي أحداثاً جافة، ولا دراسة أكاديمية صارمة. إنها رحلة وجدانية وفلسفية داخل "ذاكرة الصوت". إنها استعارة قوية تطرح سؤالاً مركزياً: ماذا لو كانت الجدران من حولنا، خاصة تلك التي شهدت لحظات مصيرية، لا تحتفظ فقط بآثار الطلاء والرسوم، بل بذبذبات الأصوات التي انبعثت أمامها؟ أصوات الأحلام، الخوف، الأمل، والكرامة.
نبدأ رحلتنا من "مهد" الثورة في ميدان التحرير، حيث كانت الهتافات والأغاني تشكل سيمفونية كرامة جماعية، إلى "مهد" آخر مختلف تماماً في الحملات الانتخابية الأمريكية، حيث يتم توظيف الموسيقى والأصوات لصناعة "حنين مصطنع" وتوجيه العواطف.


الفكرة الجوهرية التي ننطلق منها، وأنا أحمل رؤيةً فريدة بين العلم والموسيقى، هي أن الصوت أرشيف. إنه الوثيقة الحية التي حفظت الإرادة الشعبية والتجربة العاطفية التي تم تهميشها عمداً في الروايات الرسمية. فالهتاف في التحرير لم يكن مجرد كلمات، بل كان "فعل وجود". كان تأكيداً على الحضور، على الوجود الإنساني في مواجهة آلة التهميش. كانت تلك الأصوات تنسج شبكة وجدانية غير مرئية، تربط بين كل فرد في الميدان، ليشعروا وكأنهم جسد واحد، نفس واحد.


وفي المقابل، يقدم لنا مشهد حملة دونالد ترامب الانتخابية عام 2016 نموذجاً مثيراً لكيفية تحول الصوت من أداة تحرر إلى أداة هيمنة. لقد استخدم ترامب قوائم الأغاني بعناية فائقة، مختاراً بشكل خاص موسيقى الروك الكلاسيكية من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مثل أغنية "You Can't Always Get What You Want" لفرقة الرولينج ستونز، وأغنية "We Are the Champions" لفرقة كوين. ولم تكن هذه الاختيارات عشوائية. لقد عمل فريق ترامب على توظيف ما يمكن تسميته "الحنين المصطنع" - وهو عملية استدعاء مقصود لذكريات جماعية مرتبطة بفترة ذهبية متخيلة في الماضي الأمريكي. فالموسيقى الصاخبة، المرتبطة بمرحلة القوة الأمريكية العالمية، كانت تُستخدم كخلفية عاطفية لتغذية خطاب "أمريكا أولاً" و"جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".


هنا تظهر "السياسة العاطفية" في اروع صورها. فبينما كانت الأصوات في ميدان التحرير تنبعث من القاعدة الشعبية إلى القمة، كانت الأصوات في حملة ترامب تُوجَّه من القمة إلى القاعدة. لقد تحول الصوت من وسيط للذاكرة الجماعية الحية إلى أداة لتشكيل الذاكرة الجمعية وفق رؤية سياسية ضيقة.


طبعا المفارقة العميقة تكمن في أن ترامب، الذي كان يقدم نفسه كمنقذ للتراث الأمريكي، كان يستخدم أغانيَ لفنانين أعلنوا معارضتهم له علناً. فرولينج ستونز مثلاً طالبوا بإزالة أغانيهم من فعالياته، لكن الحملة استمرت في استخدامها. وهذا يظهر كيف يمكن للسلطة أن تسخر حتى ما يعارضها لخدمة أغراضها.

في ميدان التحرير، كانت الذاكرة الصوتية تُخلق بشكل عضوي. كل هتاف، كل أغنية، كل صرخة كانت تعبيراً عن لحظة وجدانية حقيقية. أما في حملة ترامب، فكانت الذاكرة الصوتية تُصنَّع بعناية لتخدم أغراضاً سياسية


هذا الفرق الجوهري بين "المقاومة الوجدانية" و"الهيمنة العاطفية" هو ما يجعل دراسة الذاكرة الصوتية ضرورية لفهم سياساتنا المعاصرة. فالصوت لم يعد مجرد خلفية للأحداث، بل أصبح أداة فاعلة في تشكيل الوعي وصناعة التاريخ.
عندما نعود إلى ميدان التحرير، نجد أن الجدران ما زالت تحتفظ بذبذبات أصوات الثورة. ليست الجرافيتي والرسومات سوى الشاهد البصري على ما اختزنته هذه الجدران من أصوات. أما في المشهد الأمريكي، فما زالت قوائم الأغاني التي استخدمها ترامب تثير الجدل، كاشفة عن عمق الصراع حول الهوية الأمريكية والذاكرة الجماعية.


وفي المقالات القادمة، سنتعمق أكثر في هذه الثنائية المثيرة بين الصوت المُحرِّر والصوت المُهيمن، بين الذاكرة العضوية والذاكرة المصنوعة، بين السياسة التي تنبع من الوجدان الجمعي والسياسة التي تفرض من فوق.
فالذاكرة في النهاية ليست حبراً على ورق، بل هي صوت في الوجدان. وصوت الحرية، مهما حاولوا كبته، هو الأبقى. والجدران في القاهرة ستظل تتردد صدى أحلام الملايين، بينما تظل قوائم الأغاني السياسية في أمريكا شاهدة على صراع الهوية في أعظم ديمقراطيات العالم.
في السلسلة القادمة، سنغوص معًا في فصول هذا الكتاب كما لو كنا نفتح أرشيفًا صوتيًا مغلقًا. سنستمع معًا إلى:
سيمفونية التحرير: كيف تحول الميدان إلى كائن حي ينبض بالإيقاع والكرامة.
شعبوية الترامب الصوتية: كيف تُصنع الذاكرة الزائفة بالموسيقى الصاخبة.
معنى "الزمانية الثورية": ذلك الزمن الدائري غير الخطي الذي جعل كل لحظة في الثورة تحمل الماضي والمستقبل.
لماذا الجدران تتذكر؟ وكيف تتحول الحجارة إلى شاهد حي على history الوجدان لا على history الأحداث فحسب.


هذه السلسلة هي دعوة للإنصات إلى أصداء أحلامنا التي ما زالت تتردد في الشوارع، وإلى أصوات قوتنا التي لا تختفي، بل تختزن في حجارة مدننا، منتظرة لحظة الاستماع فقط لتعلن عن نفسها من جديد. لأن الذاكرة، في النهاية، ليست حبرًا على ورق، بل هي صوت في الوجدان. وصوت الحرية، مهما حاولوا كبته، هو الأبقى.
 
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء