السودان.. انتصار الشعوب وهزيمة دولة
إذ يتابع العالم مشروع تقسيم السودان دون وخزة ضمير، هناك رواية لا بد أن تُروى عن جذور تلك المعضلة المستدامة، فالسودان يتصدر قائمة أطول تاريخ لحرب أهلية في العالم المعاصر، وهو مركز لا يستحق أي فخر.
تبدأ سيرة وسردية الحرب الأهلية بالسودان في العام السابق لاستقلال السودان، عام ١٩٥٥، هناك بأقصى الجنوب قبل استقلال دولة جنوب السودان، على أساس التمييز العرقي وعدم المساواة في الحقوق، ونسي الجميع وقتها أن الواجبات أيضًا حق من حقوق المواطنة والدولة والوطنية.
مع استقلال دولة جنوب السودان تصوّر الخبراء والمراقبون، بل والفاعلون، أن وقت الحرب والاقتتال الأهلي ذهب بلا عودة، لكن كان للواقع رأي آخر. على قدر المساواة العادلة التي ينشدها كل سوداني، كان إرهاق الدم على أساس عرقي هو العنوان المستدام للحالة السودانية.
ماذا عن دارفور؟ ما يحدث اليوم في فاشر دارفور ليس بجديد إلا على الفضوليين من متابعي أخبار السودان لتصدر خبر ما يحدث في الفاشر عناوين الأخبار، لكن المتابعين للشأن السوداني يرهقهم تبصير هؤلاء بتاريخ الصراع والمقتلة في إقليم دارفور وكذلك كردفان غرب السودان. ما نراه اليوم في فاشر السلطان بدارفور هو ثمرة صراع طويل وعجز عن تحقيق مفاهيم الدولة الحديثة، وليست مبالغة من طرف كاتب هذا المقال، فحتى تحقيق مفاهيم الدولة بالمعنى القروسطي الوسيط لم يترسخ بما يكفي. لبداهة مفادها البسيط، فالدولة كمفهوم محقق على أرض الواقع تستمر في التاريخ ولا تنهار بالسهولة والكارثية التي يشهدها إقليم دارفور بغرب السودان.
نعم، كانت هناك دولة وسلطة تاريخية، لكن عدم قدرتها على إنتاج نفسها في التاريخ، بل وتصديرها لكل التجربة السودانية، يؤكد هشاشة التجربة التاريخية نفسها.
السودان كأي دولة في العالم محكوم سياسيًا بمكونه العرقي والثقافي، وهي خاصية تنسحب على كل التجارب الوطنية في دول العالم كافة، لكن حالة الإخفاق المستدام في التجربة السودانية هي ما يلفت الانتباه. كل دولة في العالم مكونة من خليط عرقي وثقافي وديني... إلخ، يحكمها العقد الاجتماعي والقانوني ليحقق لها النمو والاستقرار والسلم، لكن التجربة السودانية تسير على عكس خط سير مفهوم الدولة الوطنية بعناد وإصرار واضحين للعيان. لقد أصبحت الأعراق أولوية على الدولة، وأصبحت الأيديولوجيا أولوية على الدولة، وأصبح الإقليم هو التاريخ ومصدر الحس الوطني، كما لو أن السودان الدولة ضيف ثقيل الحمل على الوجدان والهوية الوطنية.
خلاصة...
إن ما نشاهده في السودان حاليًا هو انتصار الشعوب السودانية على الدولة السودانية. أصبح العِرق والعرقية والإقليم ومصالحه أهم من استقرار الدولة وسلامة وحدة أراضيها. بمعنى فجّ: العِرق وليس السودان هو ما يشغل عقل السودانيين. نعم، هناك جماعة سودانية حريصة كل الحرص على الدولة، لكن عادة يُقال: النقد الرديء يطرد النقد الجيد من السوق.
هؤلاء النفر القليل أمامهم أدوار ومسؤولية كبيرة ليعيدوا السودان إلى مفهوم الدولة الوطنية، والبشارة الوحيدة التي يجب التمسك بها أن هناك دائمًا أمل، فكل دول العالم مرت بتجارب قاسية انتهت بلا رجعة، حين وُضع عقد اجتماعي يضمن أن تكون الدولة فوق الجميع ولمصلحة الجميع.