رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهجمات الأخيرة على قطاع غزة.. اختبار لمعادلة نتنياهو – ترامب

مونيكا وليم
مونيكا وليم

تشكّل الضربات الإسرائيلية الجديدة على قطاع غزة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 26 شخصًا وفق مصادر محلية، مؤشرًا واضحًا على ديناميكية القرار الذي ترعاه الإدارة الأمريكية. فالهجوم الإسرائيلي جاء بعد اتهامات وجهتها تل أبيب لحركة “حماس” بانتهاك الهدنة، ما فتح الباب أمام استخدام القوة الإسرائيلية في نطاقٍ سمّته الحكومة “الدفاع الوقائي"
هذا التصعيد، رغم محدوديته النسبية مقارنة بجولات القتال السابقة، يعكس رغبة إسرائيلية في استثمار مساحة العمل التي منحها ترامب لنتنياهو، بحيث تبقى إسرائيل قادرة على الرد السريع على أي تهديد، دون أن تُتهم بإفشال الاتفاق الذي تسعى واشنطن لتثبيته.


وعليه، فالهجوم الإسرائيلي الأخير يحمل أيضًا أبعادًا داخلية تتصل بمكانة نتنياهو السياسية، في ظل الانتقادات المتزايدة من داخل الائتلاف اليميني لالتزامه بوقف إطلاق النار الذي فرضته واشنطن، فالتصعيد المحدود قد يُقرأ كرسالة مزدوجة: الأولى للداخل الإسرائيلي تؤكد أن نتنياهو ما زال صاحب القرار الميداني والأمني، والثانية للولايات المتحدة مفادها أن تل أبيب لن تتنازل عن حقها في الرد “وفق تقديرها الذاتي”.
بهذا المعنى، يسعى نتنياهو إلى الدفاع عن نفسه أمام من يرون أن واشنطن أصبحت تملي عليه قيودًا تحد من حرية العمل العسكري الإسرائيلي، دون أن يصل إلى حد الصدام المباشر مع ترامب الذي يُعد اليوم شريكًا أساسيًا في هندسة الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب في غزة.
وبالتالي تتحول غزة اليوم إلى ساحة اختبار مزدوجة: فهي تمثل ميدانًا لقياس مدى استقلالية القرار الإسرائيلي من جهة، ومؤشرًا على قدرة الولايات المتحدة على ضبط إيقاع الصراع من جهة أخرى. فنتنياهو يحاول إقناع الداخل الإسرائيلي بأنه لا يعمل بإملاءات واشنطن، في حين يسعى ترامب إلى التأكيد أن “خطة غزة” هي مشروع أمريكي بالدرجة الأولى، وأن أي تحرك عسكري خارج هذا الإطار يجب أن يمر عبر بوابته السياسية.


هذا التداخل بين الحسابات الداخلية في إسرائيل والمصالح الاستراتيجية الأمريكية يجعل من القطاع محورًا حساسًا في العلاقة بين الطرفين، إذ إن أي انزلاق واسع في العمليات العسكرية قد يعرقل المسار السياسي الذي تراهن عليه واشنطن لتثبيت هدنة طويلة الأمد وربطها بعملية إعادة الإعمار.


وفيما يخص قراءة علاقة نتنياهو بترامب،فقد تكشف التطورات الأخيرة عن تغيرٍ ملحوظ في ديناميكية العلاقة بين ترامب ونتنياهو. فبينما كان ترامب في ولايته الأولى الداعم الأبرز لرئيس الوزراء الإسرائيلي، من خلال قرارات تاريخية كضم الجولان والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإن المرحلة الحالية تحمل إشارات إلى إعادة ضبط تلك العلاقة على أسس أكثر توازنًا.


وذلك بالنظر إلي تصريحات ترامب التي قال فيها: “أنا من سيقرر ما هو الصواب لإسرائيل” والتي تعبر عن رغبة واضحة في إعادة الإمساك بزمام الملف الإسرائيلي–الفلسطيني، ومنع نتنياهو من اتخاذ خطوات أحادية يمكن أن تضر بخطته للسلام في غزة أو بمشروعه الأوسع لتسوية إقليمية.


هذا التوجه لا يعكس تراجعًا في الدعم الأمريكي لإسرائيل، بقدر ما يُظهر حرص ترامب على توجيه السياسة الإسرائيلية بما يخدم أهدافه السياسية والدبلوماسية، خصوصًا في ظل مساعيه لإعادة التموضع الأمريكي في الشرق الأوسط عبر أدوات تفاوضية أكثر من كونها عسكرية.


ومع محاولة استنباط الاستنتاجات الختامية، في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على غزة ليست مجرد ردٍّ ميداني محدود، بل جزء من معادلة سياسية معقدة يحاول نتنياهو من خلالها تحقيق توازن دقيق بين ضرورات الردع ومتطلبات التنسيق مع واشنطن.فإسرائيل تسعى لإظهار أنها تملك حرية القرار الأمني، بينما تحرص الإدارة الأمريكية على إبقاء تلك الحرية ضمن سقف يضمن استمرار الهدنة ويخدم خطتها الأشمل للسلام

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء