رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التكلفة الاجتماعية لأميَّة المرأة

ا.د. مصطفي رجب
ا.د. مصطفي رجب

اختلف مفهوم التكلفة الاجتماعية بين الاقتصاديين والتربويين فمن وجهة النظر الاقتصادية ، نجد أن معظم تعريفات التكلفة الاجتماعية تتفق على أنها : "إجمالي التكلفة التي يتحملها المجتمع نتيجة ممارسة المنشأة لنشاطها الاقتصادي ". 

مثل تلوث الهواء وإحداث الضوضاء وكذلك تشمل التكلفة الاجتماعية ما يسمى بتكلفة الفرصة البديلة أي مقدار السلع والخدمات المضحى بها مقابل إنتاج سلع وخدمات أخرى, وتدخل أيضاً تكاليف الفشل في بيع وتصريف المنتجات ضمن هذا المفهوم حيث إن عدم قدرة المنشأة على تصريف منتجاتها يعني ضياع جزء من مؤثر من موارد المجتمع بشكل عام من جهة أخرى. 
ومن وجهة النظر التربوية تعرف التكلفة الاجتماعية على أنها " الآثار الناجمة عن تعليم ضعيف وغير متميز أو أمية أو التجهيل أو حجب أراء أو أفكر معينة أو أمية ثقافية... 
 
ومن مظاهر التكلفة الاجتماعية لأمية المرأة  التلوث وعدم المحافظة على البيئة: 
 من بين مظاهر التخلف الذي يعاني منه عدد كبير من دول العالم الثالث، والذي يشكل خطراً على الحياة، ويستدعي الاهتمام به وتوعية الإنسان بمخاطره، عدم إيلاء العناية الخاصة لمحاربة التلوث والمحافظة على البيئة والنساء بصفتهن يشكلن نصف المجتمع، ويعتبرن المصدر الأساسى للتربية والتنشئة الاجتماعية بوجه خاص  للأطفال ـ ويسهمن بشكل كبير في غرس مجموعة من القيم في أطفالهن ويتعين عليهن تبعاً لذلك أن يكن على علم بأهمية المحافظة على البيئة ومحاربة التلوث، ولاشك أن ثقب الأوزون الذي أصبح يهدد الحياة البشرية، والذي يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم، يعتبر مثالاً صارخاً لما يمكن أن يتسبب فيه التلوث من نتائج سيئة على البيئة. 
 ويضاف إلى ما تقدم مشكلُ التصحر التي أصبحت تهدد الكثير من الدول، وبخاصة تلك التي تقع بجوار المناطق الصحراوية، وكذا المجاعة وسوء التغذية اللذان أخذا يظهران بوضوح في كثير من المناطق. وإذا كانت العوامل الطبيعية مسئولة أحياناً، عن هذه المظاهر، فإن تخريب البيئة وعدم الاعتناء بها، أو الوعي بأهميتها في الحياة كلها أمور تسهم بشكل كبير في ظهور الآفات السالفة الذكر، كما أن البناء العشوائي، وإحراق النفايات بشكل اعتباطي، واجتثاث الأشجار، وعدم الحرص على تجديد الغطاء النباتي، خاصة في العالم القروي، تسهم في المساس بمكونات البيئة وتحدث آثاراً بالغة تكون لها عواقب وخيمة على البيئة والإنسان على حد سواء. ومن ثم فإن عدم وعي المرأة الأمية بضرورة محاربة التلوث، سواء داخل البيت أو خارجه، وكذا عدم وعيها بالمحافظة على البيئة، وعدم معرفتها بالطرق والوسائل التي يمكن استخدامها في لحمايتها، يؤدي إلى زيادة تدهور حياة الأفراد بصفة عامة. 
  وللمرأة مكانة يمكن بموجبها أن تلعب أدواراً مهمة في الوقاية والمحافظة على البيئة وفي تدبير الموارد الطبيعية، وبالتالي في الإسهام في وضع أسس التنمية المستدامة: 
 ـ بوصفها أماً ، وأحياناً ربة أسرة ، فإن المرأة تدرك تمام الإدراك ما ينفع أسرتها . من هنا يتولد لديها الإحساس شيئاً فشيئاً بضرورة تحديد النسل ـ بوصفها أيضاً قائمة بشؤون الأسرة والبيت، فهي مدعوة لتحسين تدبيرها وترشيد استهلاكها للعناصر البيئية الطبيعية، كالماء والحطب والفحم والغاز، وكذا للتقليل من النفايات الملوثة وإلحاق الأضرار بالوسط. 
 ـ بوصفها أخيرا ًمربية يمكن أن تمثل عنصراً أساساً في نقل مضامين المحافظة على البيئة للأطفال والأقرباء.". 


النظافة: 
 إن وعي المرأة الأمية بدور النظافة في الحياة يعتبر شرطاً من شروط الحياة الكريمة بالنسبة إلى جميع أفراد الأسرة ؛ فالاهتمام بهذا الجانب يضمن الصحة الجيدة، ويتحقق ذلك من خلال الالتزام بنظافة جسم الأطفال وملبسهم، ونظافة المنزل والمأكل، ومحاربة مصادر الأوساخ ، ويسهم بشكل فعال في محاربة الأمراض الفتاكة والتدهور الصحي، في حين يعتبر عدم الوعي بدور النظافة في النمو السليم للجسم والعقل، مظهراً من مظاهر التخلف. والدين الإسلامي من جهته يحث المؤمن على النظافة، وخير مثال على ذلك ما فرضه لأداء الصلاة، من غسل ووضوء، وما اشترطه من طهارة المكان، وغيرها من الأمور التي نستشف منها حكمة وموعظة بالغتين: "النظافة من الإيمان". 


 صحة الأم والطفل: التلقيحات: 
 يستلزم الحفاظ على صحة الأم ـ قبل الحمل وأثناءه وبعده ـ القيام بمجموعة من الفحوصات والتلقيحات، وهي إجراءات ضرورية كذلك للطفل حتى يتمكن من اجتناب مجموعة من الأمراض الفتاكة والمعدية مثل: السل، والسعال الديكي، والشلل، وغالباً ما يؤدي عدم الاهتمام بتلقيح الطفل في فترات معينة إلى كثير من الوفيات في دول العالم الثالث، وخاصة في البوادي، وفي الأحياء المهمشة حيث تكون أغلبية النساء الأميات على قدر متدنٍّ من الوعي والمعرفة بأهمية تلك التلقيحات، كما أن عدم إخضاع الحامل للفحوصات الطبية المصاحبة لمراحل نمو الجنين، قد تنجم عنه مضاعفات خطيرة يمكنها أن تؤدي بحياة الأم والجنين إلى الهلاك. 
إن توعية المرأة بأهمية هذه التلقيحات بالنسبة إلى حياة أطفالها، من خلال حلقات دراسية هادفة، لمن شأنه أن يجنب المجتمع كثيراً من الأمراض الفتاكة والمعدية. 
    الأمراض المنقولة جنسياً : 
من بين فضائل الديانة الإسلامية تحريم العلاقات الجنسية غير الشرعية، وذلك بهدف اجتناب مجموعة من الأمراض المسماة، الأمراض المنقولة جنسياً ؛ وهي أمراض يؤدي بعضها إلى تشوهات الأطفال، ويؤدي البعض الآخر إلى العقم، أو إلى الموت المحقق. 
ولأجل أن تكون المرأة الأمية على علم بمخاطر هذه الأمراض، وينبهن في الوقت نفسه، أبناءهن من عواقبها الوخيمة، لابد من توعيتهن بمخاطرها المتعددة، وبكيفية انتقالها، وبالإجراءات الممكن إتباعها لتجنبها
إن أمراضاً خطيرة مثل الزهري والسيدا (الإيدز) وغيرها من الأمراض المعدية مازالت منتشرة بشكل كبير، خاصة في الأوساط الفقيرة، وذلك على الرغم من حملات التوعية التي تقوم بها أغلبية الدول، لذا بات ضرورياً أن تكون هناك برامج تعليمية من شأنها أن تعمل على بناء مواقف وقائية تجاه هذا النوع من الأمراض لدى المرأة الأمية. 


 التدبير المنزلي: 
غالباً ما توكل مهمة تدبير شؤون المنزل إلى المرأة وهي مهمة نبيلة، لكنها في الوقت نفسه صعبة، فضلاً لما تتطلبه من مهارات وكفاءات، ونظراً لما تستدعيه من خبرة ومعرفة بالكتابة والقراءة والحساب. وكلما تمكنت المرأة الأمية من المعارف والمهارات الضرورية لهذا التسيير، أدى ذلك إلى نوع من الثقة والاطمئنان والسعادة داخل الأسرة، ومن هنا أصبح من اللازم أن يقوم الاقتصاد المنزلي على ترشيد النفقات وحسن تدبيرها، واتخاذ الاحتياطات الضرورية لكي تساير النفقات ماهو مرصود لها من مال، وتلبية حاجات أفراد الأسرة من مأكل وملبس وأدوية...الخ، وذلك بما تسمح به الميزانية المرصودة. كما أن تعلم المرأة الأمية كيفية الادخار سيساعد على تجاوز بعض المشاكل الطارئة التي يتطلب حلها قسطاً من المال، أو التغلب عليها نهائياً. 
وتجدر الإشارة إلى أنه بإمكاننا أن ندخل في هذا الجانب كيفية إعداد الوجبات وطهيها وتقديمها، وكذا كيفية تدبير أعمال المنزل وتنظيمها، إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تسهم في السعادة الزوجية والأسرية بصفة عامة. 
المرأة الأمية عنصر غير منتج:
لقد كانت المرأة على مر العصور، وفي الوسط القروي على وجه الخصوص، عنصراً منتجاً ؛ فإلى جانب قيامها بالأشغال المنزلية وتربية الأطفال، فإنها تشارك الرجل كذلك في الأعمال التي تتم خارج المنزل. إن جل وقت المرأة الأمية في البادية يخصص لجمع الحطب والرعي والقيام بأعمال فلاحية متنوعة، غير أن هذه الأعمال مازالت تمارس في كثير من المناطق بوسائل تقليدية يكون لها أثر سلبي على مردودية المرأة الأمية، وعلى صورتها أمام الرجل، والمجتمع. وقد دفع هذا الأمر المشاركين في إحدى الندوات حول تنمية المرأة الأمية الريفية في الوطن العربي، إلى التنصيص في إحدى التوصيات على ما يلي : 
ـ تدريب المرأة الأمية الريفية على استخدام وصيانة الآلات الزراعية والأساليب العلمية الحديثة في الزراعة وتربية الحيوانات والصناعات الغذائية والتنشئة السليمة للطفل. 
ـ تدريب المرأة الأمية الريفية على المهارات التي تمكنها من القيام بمشروعات اقتصادية تدر عليها دخلاً إضافياً. 
 وهذا يعني أن المرأة الأمية تبقى في حاجة ماسة إلى تعليم يجعلها قادرة على التكيف مع الوسائل الحديثة المستعملة في الإنتاج الاقتصادي، ولاشيء غير ذلك يخول لها المساهمة الفعالة في التنمية، خاصة وأن تطور الثقافة والعلوم التكنولوجية يتم في هذا العصر بشكل سريع، وأن عدم التحكم في هذا التطور ومسايرته غالباً ما يؤديان إلى عدم القدرة على المنافسة، وبالتالي إلى ضعف الإنتاج وتدهوره. 
يقول فخر الدين القلا في هذا السياق: "إنه من خلال الدراسات المتعددة التي أجريت حول أثر التعليم على التنمية، قد تبين أن لهذا التعليم دوراً كبيراً في تطوير المجتمعات وتنميتها، أو في تقدمها ورفاهيتها، وأن هناك علاقة وطيدة الصلة بينه وبين التنمية الشاملة، وأنه في حال غياب برامج تعليمية جيدة للكبار يكون افتقار المجتمعات إلى الطاقات شديداً جداً، فالعلاقة بين تعليم الكبار والتنمية هي علاقة أخذ وعطاء. ومن ثم يعتبر تعليم الكبار دعامة ضرورية في البنية الأساسية للاقتصاد والنمو. كما يعتبر ركيزة للتنمية الاجتماعية والسياسة والثقافية، وفي الوقت ذاته، يتأثر هذا التعليم كماً ونوعاً بمستوى التنمية والعوامل المؤثرة فيها، ومدى ما تتيحه من إمكانات للجميع. 
الأمية والزواج المبكر: 
يلاحظ في بعض بلدان العالم الثالث، وخاصة في المناطق الريفية، أن الزواج المبكر منتشر بشكل كبير خاصة في أوساط الإناث. وقد يتم هذا الزواج، في بعض الأحيان،  قبل بلوغ الفتيات سن الرشد، وفي غالب الأحيان يتم الحمل قبل أن تستكمل الفتاة نموها، مما يجعلها تتحمل المسؤولية الزوجية وكذا مسؤولية تربية الأطفال، وهي لم تصل بعد إلى مستوى من النضج البيولوجي والعقلي والنفسي الذي يؤهلها لذلك. وفضلاً عن ذلك يمكن أن يؤدي النقص في التكوين الجسمي ـ بسبب عدم استكمالها للنمو أثناء الحمل ـ إلى مضاعفات على مستوى صحة الجنين، ومستوى صحة الأم. وتجدر الإشارة إلى أن النساء الأميات تقبلن على الزواج دون معرفة سابقة بما يمكن أن ينتج من مخاطر عن الزواج المبكر. وفي هذا الصدد نقدم ما ورد في إحدى وثائق اليونسيف على النحو التالي: "الحمل في سن مبكرة قبل الثامنة عشرة، أو في سن متأخرة بعد الخامسة والثلاثين، يزيد المخاطر الصحية التي تتهدد الأم والطفل... ولأسباب صحية محضة ينصح بألا يحدث أي حمل قبل سن الثامنة عشرة، لأن المرأة الأمية لا تكون آنذاك مهيأة جسمياً لهذا الدور. وقد كشفت التجربة أن الأطفال الذين حملتهم أمهات صغيرات تقل أعمارهن عن الثامنة عشرة يكون وزنهم ضعيفاً جداً، ويكونون في الآن نفسه أكثر عرضة للوفاة خلال السنة الأولى من العمر.  لذلك أصبح من الضروري انتظار العمر الملائم قبل أن تصبح الفتاة زوجة فأماً"
الأمية ومخاطر الزواج بالأقارب: 
   أهم المخاطر التي يتعين على المرأة الأمية أن تعي أبعادها، تلك التي تنجم عن الزواج بالأقارب؛ ففي كثير من المجتمعات، وخاصة تلك التي تقوى فيها الروابط بين العائلات والأقارب ؛ مثل ما هو عليه الشأن في بعض المجتمعات الإسلامية والعربية، يلاحظ التزاوج بكثرة بين أفراد العائلة الواحدة، ويتم هذا دون اعتبار لما يمكن أن ينتج عن ذلك، في بعض الحالات، من تشوّهات وأمراض بفعل التلاقح بين الأمراض الوراثية للزوج والزوجة. 
"تنتشر في بعض العائلات أمراض معينة، فتجد عائلة ينتشر فيها مرض السكري، وأخرى مصابة بموت أفرادها مبكراً، وثالثة يشيع مرض السرطان بين أفرادها، ورابعة ينتشر العمى أو البكم أو الصمم بين أبنائها، كما يلاحظ تعدد حالات الإجهاض عند نسائها، وهي أمراض وعاهات يفسرها العلماء باجتماع الأمراض الوراثية المنتحية من الآباء مع مكملاتها (مورّثات مرضية منتحية من الأمهات). وتزداد نسبة اجتماع المورثات المرضية مع بعضها بازدياد حالات الزواج من القريبات، وكذلك بازدياد درجة القرابة بين الزوجين . 
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء