مواجهة وطنية للعنف الإلكتروني والمخدرات!
تبذل الدولة مجهوداً رائعاً في إنشاء المشاريع الكبرى من طرق ومدن جديدة ومناطق صناعية كلها تعود بالنفع على المجتمع، كما تبذل مجهوداً كبيراً في جمع وتحصيل الإيرادات وفرض الغرامات وتنفيذ الإزالات، وهي خطوات تنظيمية لا شك في أهميتها، إلا أن هناك جبهات أخرى لا تقل في أهميتها وتأثيرها وخطورتها على المجتمع عن كل أنواع الخدمات، وتهدد عقول وقيم المجتمع بأسره.
ففي الوقت الذي تُحكِم فيه الدولة قبضتها على الشوارع والمحال والمباني، تتسلل إلى بيوتنا أخطار أشد فتكاً، تبدأ من شاشة الهاتف المحمول، وتمتد إلى سلوكياتٍ أخرى تصنع أجيالًا مضطربة بقيم منحدرة.
العالم كله يحذر من خطورة بعض الألعاب الإلكترونية التي تحرض على القتل والعنف وتُدخل الأطفال في عوالم افتراضية تشوه إدراكهم للواقع، ولعل حادث "طفل الإسماعيلية" كان إنذاراً قاسياً يكشف خطر هذه الألعاب على السلوك الإنساني، بعدما جسد الطفل ما شاهده على الشاشة في جريمة حقيقية.
العالم من حولنا لم يقف متفرجًا، الصين وضعت قيوداً صارمة على الألعاب الإلكترونية، والهند حظرت عددا منها بعد أن ارتبطت بحوادث انتحار، بينما فرنسا أقرت ضوابط نفسية لتصنيف الألعاب حسب العمر، أما في مصر، فما زالت هذه الألعاب متاحة بحرية تامة، وكأنها منتج ترفيهي لا خطر فيه.
الخطر لا يقف عند الألعاب الإلكترونية ، فالمواقع الإباحية التي تفتح أبوابها على مصراعيها تشكل تهديدًا أخلاقيًا ونفسيًا للأجيال الجديدة.
أيضا حظرت كثير من الدول هذه المواقع أو قيدت الوصول إليها باعتبارها بابا للانحدار الاجتماعي، بينما في مصر يمكن لأي طفل أن يدخل لتلك المواقع بلا حاجز أو رقيب.
ورغم نجاحات أجهزة مكافحة المخدرات، فإن أنواعاً جديدة من المخدرات المصنعة - مثل " الآيس" و الفودو" والاستروكس" - تنتشر بين الشباب والمراهقين، وخطرها لا يقف عند حدود الإدمان، بل يمتد إلى فقدان السيطرة الكاملة على السلوك، وارتكاب الجرائم بلا وعي، وفق ما تظهره محاضر الشرطة وتقارير الطب النفسي.
وما زالت المخدرات الخطر الصامت الذي يهدد كل بيت، لكنه لا يلقى المواجهة المجتمعية المطلوبة.
تمتلك الدولة المصرية العديد من المجالس المتخصصة ومراكز الأبحاث منها المجلس القومي للأمومة والطفولة، والمجلس القومي للمرأة وآخر للإعلام، ومجالس أخرى متخصصة، كلها يُفترض أن تكون في طليعة المواجهة، لكن صوتها خافت، وحملاتها محدودة، وتأثيرها يكاد لا يُرى.
في المقابل، لدينا المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية الذي يملك ثروة علمية هائلة من الدراسات عن سلوك الجريمة، وتأثير التكنولوجيا والإعلام على الأطفال، لكنها لا تُستثمر في السياسات العامة، ولا تُستخدم لتوجيه القرار.
فلم يعد مقبولًا أن تتحرك الدولة فقط في الملفات الاقتصادية والاستثمارية، بينما تتباطأ في مواجهة الخطر الحقيقي الذي يهدد عقول وأخلاق وتوجهات أبنائها.
حظر الألعاب الإلكترونية المحرضة على العنف ومراقبة المحتوى الموجه للأطفال أصبح ضرورة، وتقييد الوصول إلى المواقع الإباحية أسوة بدول كثيرة، حمايةً للقيم والأخلاق حتى يصبح الإنترنت في مصر آمنًا وصالحًا لاستخدامه من كل الأعمار.
إلى جانب تفعيل دور المؤسسات المجتمعية والإعلامية في التوعية والتثقيف مع الاستفادة من أبحاث المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية.
ومن هنا أدعو إلى إطلاق مشروع وطني لحماية المجتمع من العنف الرقمي والمخدرات، ولتكن البداية من مؤسسات المجتمع المدني إلى جوار مؤسسات الدولة بكامل طاقتها، فحماية القيم والأخلاق لا تقل أهمية عن حماية الحدود والمصالح العليا للبلاد.