عش في حدود يومك.. ثلاثة أسباب تجعلك تنتصر على القلق والهموم
الإنسان في هذه الحياة دائم التعب والكد وقد قرر سبحانه وتعالى حقيقة الكد والتعب في هذه الحياة، وخاطب آدم عليه السلام في بدايات خلق هذا الإنسان محذرا ومنبها: “فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى”، فالتعب والشقاء، والحيرة والقلق، والهم والغم والحزن، ومكابدة النفس، والصبر على تقلباتها وأحداثها هناك في الدنيا.
أما في الجنة: “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى”، ومع ذلك فقد بين الله لهذا الإنسان طريقَ السعادة والراحة مع هذا الكبد والظروف المتغيرة، والأحوال المتبدلة؛ قال تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.
كيف تنتصـر على القلق؟
تقول الواعظة الزهراء عمارة، واعظة بمنطقة القليوبية الأزهرية: هناك ثلاث أسباب للانتصار على القلق، أولها: نسيان الماضي بأن يغلق الإنسان على ملفات الماضي في زنزانة الإهمال والإغفال، فلا يفتحها أبدا، وكأنه ولد اليوم، فليس له علاقة بالأمسِ الذاهب، الذي مات وكفن؛ لأن تذكر الماضي حمق وجنون، ولا يمكن أن يصلحه دمع أو عويل أو تحسر وأسف، متسائلة لماذا إعادة عقارب ساعات الزمن، وإخراج الأموات من قبورهم، ونشر النشارة، وطحن الطحين؟، مضيفة هذا ما يفعله من يتذكر أحداث الماضي، كم في حياتنا من مشكلات ومنعطفات وابتلاءات ذهبت وانتهت!
وأما السبب الثاني، تؤكد الداعية الزهراء عمارة، أنه ترك المستقبل حتى يأتي بحيث لا تشغل ذهنك بالأيام القادمة؛ فقد ما تصل إليها أصلا، وفي المثل الياباني: (لا تعبر جسرا حتى تأتيه)، وهذا صحيح، فقد لا تصل إلى الجسر أصلا، وقد ينهار قبل أن تصل إليه وقد تعبره سالما، والاشتغال بالمستقبل وترك الحاضر معناه ضياع الفرصة الوقتية الحاضرة في العمل والإنتاج، وليس معنى هذا الكلام عدم الاستعداد للمستقبل؛ لأن الناجح في يومه هو المستعد حقيقة لمستقبله.
وتستكمل الواعظة بالقليوبية الأزهرية، ثالث هذه الأسباب هو أن تعيش في حدود يومك، فتعتقد اعتقادا جازما أنك لن تعيش إلا هذا اليوم، وأن حياتك يوم واحد فقط، فتخطط لهذا اليوم، وتعمل له، وتملأه نجاحا وفلاحا وصلاحا، وتجتث من نفسك شجرة الشر، وتستل من قلبك عقارب السموم والهموم والأحزان، وتحرص على الاستفادة من كل دقيقة في هذا اليوم الذي ملكك فقط؛ لأن الماضي ذهب إلى غير رجعة، والمستقبل في عالم الغيب، وهو غير مضمون.
وتستدل بما روي عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”، وكان مما علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الأذكار أن نقول في الصباح عندما نستيقظ من النوم: “أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركته، وهُداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده”.
وشددت على أن توجيهات الإسلام للإنسان أن يعيش يومه، ويقوم بما عليه من واجبات وتكاليف، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”، والمعنى: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها.
سئل حاتم الأصم: علامَ بنيت أمرك؟ أي: كيف بنيت حياتك وما سبب سعادتك واطمئنانك؟ قال: "على أربع خصال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله، عز وجل، حيث كنت، فأنا أستحي منه"، وكان الحسن البصري يقول: "يا بن آدم، لا تحمل يومك هم سنة قادمة".
وتقول الواعظة الزهراء عمارة: إن هذا اليوم الذي نعيش فيه نحمله قضية فوات الرزق، وقضية الخوف من المستقبل المجهول، وقضية نزول الأجل، وحلول الفقر والأوبئة والأمراض والحروب، وتسلط العدو، وغيرها من الشرور، فجاء الإسلام ليعلم كل فرد أن الرزق بيد الله، وأنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، وأن هذا العالم بقوته وقدرته وأسلحته لن يستطيع أن يسلبك شيئًا من رزقك، ولو كان شيئا يسيرا، مستشهدة بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ”، وقال صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح: "إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب.

