صراع النفوذ الدولي في الصومال.. هل يقوض مساعي مقديشو نحو الاستقرار؟
يشهد القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة تنافسًا محمومًا بين القوى الكبرى والإقليمية، تتصدره الصومال التي تحتل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية عند مدخل البحر الأحمر والمحيط الهندي، مما يجعلها محورًا لصراعات النفوذ الإقليمي والدولي.
وبحسب وكالة " سبوتنيك"، ورغم ما حققته مقديشو من تقدم في علاقاتها الخارجية وسعيها لتثبيت الاستقرار الداخلي، إلا أن تشابك مصالح القوى المتنافسة لا يزال يشكل تحديًا أمام قدرتها على الموازنة بين الأطراف المختلفة.
السباق الدولي على أرض القرن الإفريقي
يرى الكاتب والمحلل السياسي الصومالي عبد الستار بوساسو أن التنافس الدولي المتصاعد على النفوذ والثروات في الصومال يمثل أحد أبرز العقبات أمام تحقيق الاستقرار.
ويقول في حديثه لـ"سبوتنيك": الصومال قد تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة بدلًا من أن تكون دولة مستقرة، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي الحيوي المطل على ممرات التجارة العالمية مثل باب المندب وخليج عدن".
ويضيف بوساسو أن التدخلات الخارجية المتزايدة تُفاقم الانقسامات الداخلية عبر دعم بعض القوى لمطالب انفصالية أو لطرف على حساب آخر، مما يهدد وحدة البلاد ويغذي الصراعات الجيوسياسية حول الموانئ والثروات الطبيعية.
كما يشير إلى أن الموانئ الصومالية أصبحت محورًا رئيسيًا للاستقطاب الدولي، في ظل توقيع اتفاقيات أحادية تُستخدم كأوراق ضغط ضمن صراع المصالح الإقليمية والدولية.
بين النفوذ الخارجي والاستقرار الداخلي
أما عبد الرحمن إبراهيم عبدي، مدير مركز مقديشو للدراسات، فيرى أن وجود القوى الكبرى في الصومال ليس بالضرورة مهددًا للاستقرار، بل يمكن أن يشكل عنصر دعم إذا ما أحسنت الحكومة الصومالية توظيفه.
ويقول عبدي: "الصومال دولة هشة تحتاج إلى دعم دولي واسع. الأهم هو كيفية إدارة مقديشو لهذه الصراعات بحيث تستفيد منها دون أن تقع في فخ الاستقطاب".
ويضيف أن الحكومة الحالية برئاسة حسن شيخ محمود بذلت جهودًا ملحوظة لتطبيع العلاقات مع جميع القوى الدولية، مؤكدًا أن علاقات الصومال الخارجية الآن في أفضل حالاتها منذ سنوات.
كما يشير إلى أن القوى المتنافسة باتت تساهم في دعم الجيش الصومالي في معركته ضد حركة الشباب المتطرفة، بل وتشارك في وساطات بين الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية.
دبلوماسية متوازنة وسط العواصف
يوضح عبدي أن مقديشو تتبع سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ الحياد الإيجابي، إذ تحرص على عدم الانحياز لأي طرف في الصراعات الدولية.
ويقول: "الصومال لا تريد أن تكون طرفًا في نزاعات الآخرين، بل تسعى إلى الاستفادة من جميع القوى بما يخدم مصالحها الوطنية".
ويرى أن هذه الدبلوماسية المتوازنة أسهمت في تعزيز ثقة المجتمع الدولي في الحكومة الصومالية وفتحت الباب أمام شراكات تنموية وأمنية جديدة.
تحديات الأمن ومخاطر الإرهاب
ورغم الجهود الدبلوماسية والنجاحات النسبية في العلاقات الخارجية، لا تزال التحديات الأمنية تمثل العقبة الأبرز أمام الاستقرار المنشود.
فحركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة ما تزال تشن هجمات دامية، آخرها في منطقة "باي" قرب بلدة بورهاكابو، حيث نفذت هجومًا انتحاريًا مزدوجًا بسيارات مفخخة أعقبه تبادل كثيف لإطلاق النار، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.
ومنذ عام 2022، تشن الحكومة الصومالية حملة عسكرية واسعة بمشاركة قوات محلية وحلفاء دوليين لطرد الحركة من المناطق التي تسيطر عليها في وسط البلاد، إلا أن التنظيم لا يزال قادرًا على تنفيذ هجمات نوعية تعيق مسار الاستقرار.
ساحة تنافس بين القوى الكبرى
ويبقى الصومال اليوم أمام معادلة دقيقة بين حاجته إلى التعاون الدولي لبناء دولته الحديثة، ومخاطر أن تتحول أراضيه إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى.
فهل تنجح مقديشو في الحفاظ على توازنها وسط هذه المعادلة الصعبة، وتحوّل صراع النفوذ إلى فرصة للاستقرار والنهوض؟ ذلك ما ستكشفه المرحلة المقبلة من مسار الصومال في قلب صراع القرن الإفريقي.