الحمار الوحشي والبقع.. دراسة علمية تكشف سر النقوش الحيوانية الفريدة
منذ آلاف السنين، استوقفت النقوش الحيوانية العلماء والفنانين على حد سواء كانت الخطوط المتوازية على جسد الحمار الوحشي، والبقع المتناثرة على الفهود، والتموجات الغريبة في جلد الأسماك، محط إعجاب وتأمل دائم فهذه العلامات الفريدة التي تكسو أجساد الكائنات بدت دائمًا وكأنها لوحة رسمتها الطبيعة بفرشاة لا تخطئ، هندسة متقنة لا مجال فيها للصدفة لكن دراسة علمية حديثة صادرة عن جامعة كولورادو بولدر الأميركية قلبت هذه النظرة رأسًا على عقب، لتكشف أن الجمال الكامن في تلك النقوش لا يعود إلى الكمال، بل إلى العيوب الصغيرة التي تمنحها الحياة والتميز.
وحسب ما ذكرته صحيفة "الشرق" تأتي هذه الدراسة في إطار بحث مطول حاول فيه العلماء فهم الكيفية الدقيقة التي تتكوّن بها النقوش الحيوانية على جلود الكائنات المختلفة، ورغم أن علماء الأحياء سبق أن فسروا هذه الظاهرة بنظريات تعتمد على ما يُعرف بـ"نموذج تuring"، الذي يقوم على تفاعل مواد كيميائية داخل الجلد تولد أنماطًا لونية متكررة، فإن فريق جامعة كولورادو ذهب أبعد من ذلك. فقد استخدم الباحثون نماذج حاسوبية متقدمة ومحاكاة خلوية ثلاثية الأبعاد لمحاولة تتبع أصل كل بقعة وخطّ في جسم الحيوان، واكتشفوا أن ما يجعل هذه النقوش نابضة بالحياة هو عدم انتظامها الدقيق أي انحرافات طفيفة عن النمط المثالي تجعل كل حيوان فريدًا من نوعه، حتى بين أفراد النوع نفسه.
وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة Nature Communications Biology، فإن هذه العيوب الطبيعية ليست مجرد صدفة، بل هي نتيجة تفاعلات فيزيائية معقدة بين الخلايا الصبغية أثناء انقسامها ونموها فحين تتوزع هذه الخلايا في طبقات الجلد، تتأثر بعوامل مثل درجة الحرارة، ومعدل نمو الجلد، والتوترات الميكانيكية، مما يؤدي إلى ظهور أنماط لونية متغيرة باستمرار هذا التباين الطفيف، بحسب العلماء، هو ما يمنح النقوش الحيوانية طابعها الحي وغير المتماثل الذي يميزها عن أي تصميم بشري.
ويشير الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور جيفري تشو، إلى أن النتائج الجديدة “تفتح الباب أمام فهم أعمق للجمال الطبيعي. ويضيف: “لطالما افترضنا أن الطبيعة تسعى نحو الكمال والتماثل، لكن ما أثبتناه الآن هو أن الجمال الحقيقي يكمن في اللاكمالية، في تلك الانحرافات الدقيقة التي تمنح المخلوقات طابعها الإنساني أو بالأحرى الحيوي”.
لم تتوقف أهمية الدراسة عند الجانب الجمالي فقط، بل امتدت إلى تطبيقات علمية وتقنية واسعة. فقد أشار الفريق إلى أن فهم الآليات التي تتحكم في ظهور النقوش الحيوانية قد يساهم في تطوير مواد صناعية ذكية قادرة على تغيير ألوانها أو أنماطها بطريقة مشابهة لجلود الحيوانات ومثل هذه المواد يمكن أن تُستخدم في تصميم الأقمشة التفاعلية أو الدروع البيئية أو حتى الأجهزة الطبية التي تتكيف مع الجسم البشري وتستجيب لإشاراته الحيوية.
كما يرى علماء الأحياء أن نتائج هذه الدراسة قد تساعد أيضًا في تفسير ظواهر مرضية مثل اضطرابات التصبغ في الإنسان، ومنها البهاق أو فرط التصبغ فإذا كانت النقوش الحيوانية تتشكل نتيجة اختلالات دقيقة في توزيع الخلايا الملونة، فقد يقود فهم هذه العمليات إلى علاجات جديدة تعتمد على إعادة توازن هذه الخلايا داخل الأنسجة البشرية.
ومن الجانب الفلسفي، تحمل هذه الدراسة بعدًا أعمق فهي تذكرنا بأن مفهوم الكمال الذي نحاول دومًا بلوغه في الطبيعة أو في الفن ليس هو ما يمنح الأشياء قيمتها الجمالية فالفهد الذي لا تتطابق بقع فرائه تمامًا مع مثيله، أو السمكة التي تختلف خطوطها قليلًا عن رفيقاتها، هما في الحقيقة مثال على عبقرية الطبيعة التي تصنع من العيب جمالًا، ومن الاختلاف هوية.

