قرار 1325 من قاعات الأمم المتحدة إلى قرى الريف
قبل خمسةٍ وعشرين عاماً، أصدر مجلس الأمن قراره التاريخي رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، ليعلن للعالم أنّ النساء لسن مجرد ضحايا للحروب، بل شريكات أساسيات في بناء السلام وصون الأمن والمشاركة في صنع القرار. كان ذلك القرار بمثابة نقطة تحوّل في الوعي الدولي تجاه أدوار النساء، إذ نقلهن من الهامش إلى صميم عملية السلام. غير أنّ مرور الزمن كشف أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في صدور القرار، بل في تطبيقه وتحويله من نصوص أممية إلى واقعٍ اجتماعيٍّ حيٍّ يشعر به الناس، وخصوصاً النساء في الريف والمناطق المهمشة.
لقد تعلّمت من عملي الميداني أنّ محلية القرار 1325 ليست مجرد ترجمة أو تنفيذ لخطة وطنية، بل هي عملية وعي جماعيّ تبدأ من داخل المجتمعات. حين دخلتُ قرى الفيوم وقنا واسوان وغيرها من محافظات الجمهورية، وجدت أنّ الحديث عن المرأة والسلام يبدو غريباً على الأسماع، فالكثيرون لم يسمعوا بهذا القرار، ومع ذلك فإنّ جوهره موجود في حياتهم اليومية دون أن يدروا. فالمرأة التي تزرع أرضها بصبرٍ رغم الصعوبات، والأم التي تحرص على تعليم بناتها رغم الفقر، والفتاة التي تتطوع في جمعية أهلية لخدمة مجتمعها، جميعهنّ يطبّقن روح القرار 1325 دون أن يعرفن رقمه أو تاريخه. ومن بينهنّ كثيرات تساءلنَ أثناء الجلسات التدريبية " هل يعني السلام أن أعيش في بيتٍ آمنٍ خالٍ من العنف؟ وهل يمكن أن تكون مشاركتي في جمعية تنموية نوعاً من بناء السلام؟" كانت هذه التساؤلات بالنسبة إليّ دليلاً على أنّ القرار بدأ يتحوّل من وثيقة دولية إلى وعيٍ اجتماعيٍّ محليٍّ حقيقي.
رحلتي في هذا المجال لم تكن سهلة، فقد بدأتُها وسط بيئةٍ لم تكن تعرف شيئاً عن مفهوم المرأة والسلام والأمن سمعتُ كثيراً من العبارات التي تقلّل من أهمية الموضوع أو تعتبره ترفاً فكرياً لا يخصّنا، لكنّني كنتُ أؤمن أنّ السلام ليس رفاهية، بل حقٌّ أساسيٌّ للنساء في الريف، وأنّ بناء السلام يبدأ من البيت، ومن المدرسة، ومن القرية الصغيرة التي تشهد سلام سلبي أو نزاع اجتماعي لا يقلّ قسوة عن الحروب. عانيتُ من صعوبة الإقناع، ومن السفر الطويل، ومن تكرار المحاولات التي بدت أحياناً بلا جدوى، لكنّ كلّ لحظة تعب كانت تُمحى حين أسمع فتاةً تقول بعد إحدى الجلسات الآن فهمتُ أنّني أستطيع أن أكون صانعة سلام تلك العبارة وحدها كانت كافية لتعيد إليّ الإيمان بالطريق الذي إخترتُه.
اليوم، وبعد مرور خمسةٍ وعشرين عاماً على صدور القرار 1325، يمكن القول إنّ العالم قطع شوطاً كبيراً في الاعتراف بأهمية مشاركة النساء في تحقيق الأمن والسلم، والدولة المصرية بدورها بدأت خطوات ملموسة في دمج هذا التوجه ضمن سياساتها العامة. ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلاً أمام تحقيق التطبيق الحقيقي في الريف والمناطق الطرفية، حيث تحتاج النساء إلى فرصٍ متكافئة للتعليم والعمل والمشاركة في صنع القرار المحلي، وإلى دمج مفاهيم القرار في المناهج الدراسية والتدريبات المجتمعية، ودعم المبادرات النسائية الصغيرة التي تُعزّز الأمن الإنساني.
بالنسبة إليّ، لم يعد القرار 1325 مجرد وثيقة أممية، بل أصبح قصة حياتي المهنية والإنسانية. كل مشروع نفّذته، وكل ورشة درّبتُ فيها فتياتٍ على حقوقهنّ، وكل قرية زرتها كانت صفحة من هذه القصة. خمسة وعشرون عاماً مرّت على القرار، لكنّ أثره الحقيقي يُقاس بعدد النساء اللواتي استطعن أن يغيّرن واقعهنّ بأيديهنّ، لا بعدد المؤتمرات أو التقارير. ومن بينهنّ كثيرات في الريف المصري يؤمنّ اليوم بأنّ السلام ليس كلمة تُقال في الأمم المتحدة، بل هو حياة تُبنى بالصبر والعمل والمعرفة.
وهكذا، حين أتأمل هذا الطريق الذي مشيته، بكلّ ما فيه من تعبٍ وسفرٍ ومواقف، أجد أنّ التعب يتحوّل إلى معنى، وأنّ القرار 1325 لم يكن يوماً عنّي فقط، بل عن كلّ امرأة مصرية تؤمن بأنّ السلام يبدأ من بيتها، من قريتها، من أرضها، ومن صوتها الذي يرفض الصمت.