من «ولكنني لا أحبك» إلى «معك».. سوزان بريسو أنارت عتمة طه حسين
تحل اليوم ذكرى رحيل طه حسين عميد الأدب العربي ذلك النابغة الفذ الذي فقد بصره وهو في الرابعة من عمره، ليعيش في عتمةٍ غلفها الصبر والإصرار، باحثًا فيها عن بصيص نور يقوده إلى الحياة، ولم يدر أن هذا النور سيأتيه في هيئة امرأة، سوزان بريسو، تلك التي أنارت عتمته، وآنست وحشة ظلامه، وأمسكت بيده نحو الأمل والمستقبل المشرق.
رغم ما واجهه الاثنان من تحديات واعتراضات من أهلها، لم يقفا أمام الألم، بل كسرا قيوده وسارا معًا في درب النور والفكر المستنير، كانت سوزان الشاهدة والمُلهمة في رحلة عميد الأدب العربي، تشد أزره وتشاركه حلمه، وتخلد سيرته بعد رحيله في كتابها «معك»، الذي كتبته بدمع الحنين ودفء الذكرى.
غيب الموت جسده، لكن فكره لم يغب عن وجدان أمته، ولا روحه عن قلب من أحبته، فقد رحل العميد، لكن قصة حبه لم تنتهي، بل حفرت في أذهان وقلوب محبينهم.

طه حسين
وُلد طه حسين علي سلامة في نوفمبر عام 1889 بقرية «الكيلو» التابعة لمركز مغاغة بمحافظة المنيا، عاش في طفولته معاناة مع مرض الرمد حتى شاء القدر أن يفقد بصره وهو في الرابعة من عمره.
التحق بالأزهر الشريف، ثم كان من أوائل المنتسبين إلى الجامعة المصرية عند تأسيسها عام 1908، وحصل منها على شهادة الدكتوراة في عام 1914، ثم سافر إلى فرنسا في بعثة تعليمية لتحضيره للدراسات العليا في عام 1915م، لتبدأ من هنا قصه حبه عندما رأى "سوزان بريسو".
المرأة التي قرأت لطه حسين كتاب الحياة
تعرف طه حسين على سوزان بريسو أثناء بعثته الدراسية إلى فرنسا، وهناك بدأت واحدة من أجمل قصص الحب في تاريخ الأدب، في ذلك الوقت، كان طه حسين يواجه صعوبات جمة في دراسته، إذ كان بحاجة إلى من يقرأ له الكتب والمراجع، فكانت سوزان هي اليد التي امتدت إليه بنور المعرفة، والروح التي أضاءت له طريق الفكر.
ولكنني لا أحبك
كانت تقرأ له ما يريد، وتستمع إليه وهو يناقش الأفكار بعقل متقد وذكاء لافت، فتوطدت بينهما صداقة متينة، وكان يناديها دائمًا بـ "صديقتي"، ومع مرور الوقت، تحولت الصداقة إلى مشاعر أعمق، فأعرب لها عن حبه، لكنها قابلته بالرفض قائلة "ولكنني لا أحبك".

لم ينطفئ الأمل في قلب طه حسين، واستمر في سعيه حتى أعادت سوزان التفكير، وبدأت تنظر إليه بعين مختلفة، فبادلت إعجابه إعجابًا، ووافقت على الزواج به.
لكن طريقهما لم يكن ممهّدًا، واجهت سوزان معارضة شديدة من أسرتها، التي رفضت فكرة الزواج منه لاختلاف البيئة والدين، وكونه كفيف البصر.
إلا أن سوزان لم تيأس، وأصرت على موقفها حتى نجحت في إقناع عائلتها، بعد لقاء جمع عمها القس بطه حسين، الذي أعجب بفكره وسمو منطقه، فكان سببًا في موافقتهم على الزواج.
سوزان عينه التي يبصر بها
ومنذ ذلك اليوم، بدأت قصة حب استثنائية جمعت بين عقلين وقلبين، وامتدت لعقود من المودة والوفاء، كانت سوزان عينه التي يبصر بها، وصوته حين يصمت العالم من حوله، ورفيقته في درب الفكر والنور.

وحين رحل طه حسين عام 1973م، انطفأ في حياتها الضوء، لكنها أبقته حيًا في كلماتها، إذ رثته في كتابها الشهير «معك»، الذي جسدت فيه قصة حبهما الخالدة، ليبقى شاهدًا على علاقة تجاوزت حدود البصر إلى بصيرة القلب والروح.