أمن لبنان.. الحل في القاهرة
يظن كثيرون بأن مصر قد تكون تخلت أو ابتعدت عن الملف اللبناني بسبب الزخم الدولي والإقليمي الحاضر في الإعلام بشكل يومي مع شح نسبي للتصريحات أو المواقف المصرية المتعلقة بموضوع الأزمة اللبنانية خاصة ما يرتبط بقضية سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني وضمان قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية اللبنانية وحدها لا غير.
إلا أن الحقيقة غير ذلك، فالقاهرة كانت ولا تزال أكثر الدول تأثيرا في الداخل وصاحبة مفاتيح الحل السياسي خاصة خلال الأزمات السياسية الداخلية كما يحصل اليوم، كما أن طريقة العمل الصامت البعيد عن الإعلام والبهرجة الصحافية هي طريقة معتمدة من قبل أهل القرار في القاهرة.
تاريخيا كانت القاهرة ولا تزال داعمة لوحدة لبنان واحترام القرارات الداخلية، منحازة بالكامل لمصلحة الشعب اللبناني وامنه واستقراره وإبعاده قدر الإمكان عن التوترات الأمنية والحروب والعمل على نزع فتيل الأزمات على قدر المستطاع، في وقت تفرض التركيبة اللبنانية الغريبة واقعا سمح لعشرات الدول بالتدخل في الشأن الداخلي والقرارات الحاسمة بسبب التبعيات السياسية والدينية والطائفية.
إلا أن السياسة المصرية تجاه لبنان اتبعت سياسة الدبلوماسية الناعمة بمعنى أنها طوال العقود الماضية كانت من الدول القليلة جدا التي استطاعت التواصل مع جميع أطراف النزاع الداخلي على عكس دول إقليمية ودولية كبيرة تعجز عن هذا التواصل وتكتفي بتواصل مع طرف دون الآخر، وكانت نتيجة هذه الطريقة التوصل إلى حلول للعديد من الأزمات خاصة أزمات الفراغات الرئاسية المتتالية التي كان حلها تحت سقف السفارة المصرية في بيروت والنتيجة كانت فترات من الهدوء والأمن للشعب اللبناني.
ولا شك فان زيارة اللواء حسن رشاد رئيس المخابرات المصرية إلى لبنان تترجم التعاطي المصري مع لبنان، فهذه الزيارة لم تقرر إلا لولا أن الجعبة المصرية تحمل حلولا أو بدائل تبعد حربا جديدة في لبنان في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية اليومية المترافقة مع تقارير تفيد بأن حزب الله يعيد بناء قدراته العسكرية التي تشكل تهديدا لأمن الشمال الإسرائيلي، فاللواء رشاد العائد من تل أبيب يحمل العديد من الأفكار التي قد توقف آلة الحرب كما تم إيقافها في غزة، خاصة وأن علاقته مع الداخل اللبناني اكثر من ممتازة مما يمكنه التهدئة بشكل أكيد.
كما أن القاهرة كانت ومنذ اليوم الأول داعمة للجيش اللبناني وداعمة لمسالة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وهو موقف أساسي تستند إليه السياسة المصرية تجاه لبنان وبالتالي فان أي حلول ممكنة ستكون القاهرة الجسر الذي يربط وجهات النظر المختلفة كون القاهرة هي القادرة على التواصل مع جميع الأطراف دون أي استثناء، وهو ما سيمكن القاهرة على تهدئة الأوضاع ووقف الغارات الإسرائيلية اليومية كمقدمة للتوصل إلى وقف إطلاق نار حقيقي يحقن دماء اللبنانيين بشكل جدي.
توقيت زيارة اللواء رشاد إلى بيروت دقيق جدا لأنه يأتي قبيل زيارة نائبة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي للشرق الأوسط مورغان أورتاغوس القادمة من تل أبيب، وبالتالي فان الانقسام بالرأي اللبناني كان سيضر بمسار المفاوضات الجارية إلا إن رشاد سيحاول التوصل إلى موقف لبناني موحد لمواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، مدعوما بالموقف الأوروبي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مصر في الفترة الحالية تحظى بكل الدعم الأوروبي والأميركي وصولا إلى الإيراني وهو ما لم تقدر عليه باقي دول المنطقة التي تحاول التدخل بالشأن اللبناني، وبالتالي فإن القدرة إلى التوصل إلى الحلول المرضية لجميع الأطراف تبقى في يد الدبلوماسية المصرية التي ستنزع فتيل الأزمة وتسير في الحلول السياسية والدبلوماسية لحماية الشعب اللبناني من الحروب المتوقعة.