أطول الحكام عمرًا في إفريقيا.. فوز «بيا» بولاية ثامنة يشعل الكاميرون
لم تكن الانتخابات الرئاسية في الكاميرون مجرّد استحقاق ديمقراطي روتيني، بل مشهداً يعيد طرح سؤالٍ ظل مؤجلاً لأربعة عقود، هل يمكن لحاكم بلغ الثانية والتسعين أن يواصل الإمساك بخيوط دولة شابة متوترة تبحث عن التغيير؟، فبعد إعلان فوز الرئيس بول بيا بولاية ثامنة بنسبة تجاوزت 53%، انفجرت احتجاجاتٌ عنيفة في عدد من المدن، وسط اتهامات بالتلاعب في النتائج وادعاءات متبادلة بالفوز، في المقابل، ترى المعارضة أن "النظام يختطف المستقبل"، بينما تصر السلطة على أن ما جرى هو تجسيد لإرادة الشعب، ومع أن بيا بات رمزاً للاستمرارية السياسية في إفريقيا، إلا أن مشهد الشوارع المشتعلة ومقتل أربعة متظاهرين في دوالا يعكس أن الكاميرون تدخل مرحلة جديدة من اختبار الشرعية، بين رئيس لا يرحل، وجيل لا يريد الانتظار أكثر.
40 عامًا من الحكم الهادئ
منذ أكثر من أربعة عقود، يجلس بول بيا على رأس السلطة في الكاميرون، متجاوزًا تحولات إقليمية أطاحت بزعماء وقادة، وبقي هو صامداً، أو كما يسميه البعض: "الجنرال الهادئ في زمن العواصف"، اليوم، وهو في عامه الثاني والتسعين، يضيف بيا إلى تاريخه السياسي الطويل فصلًا جديدًا بفوزه في الانتخابات الرئاسية لولاية ثامنة، وفق النتائج الرسمية التي أعلنها المجلس الدستوري بنسبة بلغت 53.66% من الأصوات.
لكن خلف هذا الفوز المعلن، تختبئ أزمةٌ سياسية متصاعدة، إذ أعلن مرشح المعارضة الرئيسي عيسى تشيروما باكاري فوزه هو الآخر، متحدثًا عن "تزوير شامل" و"إرادةٍ شعبية سُرقت في وضح النهار"، تشيروما، الذي كان في يوم ما وزيرًا وناطقًا باسم الحكومة، انشق عن النظام قبل أشهر فقط، ليقود حملة انتخابية واسعة حشدت حولها ائتلافًا من أحزاب المعارضة والمجتمع المدني.
وبينما كان المجلس الدستوري يعلن فوز بيا، كتب تشيروما عبر صفحته على "فيسبوك" أن أنصاره في مدينة جاروا تعرّضوا لإطلاق نار من قبل قوات الأمن، ما أدى إلى سقوط جرحى وفقًا لوكالة رويترز التي شددت على إنها لم تحقق من الواقعة.
في العاصمة ياوندي، بدا المشهد مختلفًا، الإعلام الرسمي احتفى بـ"نصر الديمقراطية"، فيما تحركت قوات الأمن بكثافة في المدن الكبرى لمنع أي مظاهر احتجاج، لكن دوالا العاصمة الاقتصادية وأكبر مدن البلاد كانت الوجه الآخر للمشهد، حيث خرج مئات المحتجين متحدّين حظر التجمعات، مطالبين بـ"استعادة أصواتهم"، لتتحول الشوارع سريعًا إلى ساحة اشتباك بين المتظاهرين وقوات الأمن.
السلطات أكدت مقتل أربعة أشخاص وإصابة عدد من عناصر الشرطة، متهمةً المحتجين بمهاجمة مراكز أمنية، بينما تحدّث شهود عيان عن إطلاق نار بالذخيرة الحية بعد استخدام الغاز المسيل للدموع، حاكم منطقة ليتورال، صمويل ديودوني إيفاها ديبوا، وصف الدعوات إلى التظاهر بأنها "غير مسؤولة"، مؤكدًا أن أعمال العنف تمثل "تهديدًا خطيرًا للنظام العام".
إرث ثقيل وتحديات متجددة
منذ توليه الحكم عام 1982 خلفًا لأحمدو أهيجو، استطاع بول بيا أن يبني شبكة ولاءات داخل الحزب الحاكم والمؤسسات الأمنية، مكّنته من التحكم في مفاصل الدولة لسنوات طويلة، وفي عام 2008، ألغى الحد الأقصى لفترات الرئاسة، فاتحًا الباب أمام ولايات بلا نهاية.
لكنّ هذا التمديد الدائم لم يخلُ من ثمن سياسي، إذ تعيش البلاد منذ سنوات على وقع توترات انفصالية في المناطق الناطقة بالإنجليزية، وأزمات اقتصادية متكررة أثقلت كاهل المواطنين، حيث تعتبر الكاميرون اليوم من أكثر الدول الإفريقية استقرارًا سياسيًا من حيث الشكل، ولكن من أقلها ديناميكية ديمقراطية، ويرى محللون وفقًا لـ"رويترز" أن إعادة انتخاب بيا بهذا العمر، وفي ظل مشهد شعبي يغلي، قد تؤسس لـ"مرحلة هشاشة جديدة" في البلاد، فالرئيس الذي تجاوز التسعين لا يملك فقط عبء الحكم، بل عبء الزمن أيضًا، وسط مخاوف من فراغ محتمل في حال غيابه، وانقسام قد يعصف بالمؤسسات.
معارضة بلا أفق أم بداية لتغيير
على الرغم من حدة احتجاجات المعارضة، إلا أن توازن القوى يميل بوضوح لصالح النظام الحاكم، فالقوات الأمنية ما زالت تسيطر على الشارع، ووسائل الإعلام الرسمية تعمل تحت رقابة صارمة، فيما تواجه الأصوات المنتقدة تضييقًا متصاعدًا.
لكن جيل الشباب، الذي يشكل أكثر من 60% من سكان البلاد، بدأ يظهر علامات تمرد غير مسبوقة، هذا الجيل، الذي لم يعرف سوى رئيس واحد، يرى أن اللحظة الراهنة قد تكون بداية النهاية لحقبة امتدت أطول مما ينبغي.