رشدي الدقن: لذة اليقين
في عالم تتبدّل فيه الولاءات كما تتبدّل الشعارات، يصبح اليقين هو الاختبار الحقيقي للجوهر. فليس كل مَن يهتف للوطن محبًّا، ولا كل من يصمت خائنًا... يقينًا... ليس كل ما نتمناه يحمل لنا السعادة، وما نراه خيرًا في الظاهر قد يكون في باطنه شرًا مستترًا... كم من عطاءٍ ظنّ صاحبه أنه يقدم به الخير لغيره، فإذا به يقدّم نهايته بيديه، أو يفتح بابًا لشرٍّ لم يكن في الحسبان.
يقينًا... ما يسعد غيرك قد لا يسعدك، والعكس صحيح. فصاحب الجينات الأصلية لا يبحث عن السعادة في المظاهر أو الامتلاك، بل في التسليم العميق بأن كل شيء في موضعه الصحيح، وكل أمر يأتي في وقته المحدد.
أما صاحب الجينات الخبيثة فيتسابق إلى كل شيء، يتكالب على المكاسب والفرص، بينما الأصيل يترفع عنها، ويسلك طرقًا قد تبدو في ظاهرها شقاءً، لكنها في باطنها خير كثير. فصاحب اليقين يعلم أن لا شيء يتأخر عن موعده، ولا شيء يتقدّم قبل أوانه... قد يسير في طريق لم يختره، ولا يدري كيف سلكه، لكنه في النهاية يجد نفسه أمام ما كان يتمناه حقًّا.
يقينًا... لن يستمر ستر صاحب الجينات الخبيثة طويلًا؛ فالستار سينكشف مهما بدا متينًا... فحتى لو خُيّل لصاحبه أن الأمور استقرت، فإن في الباطن تدابير أخرى تُهيّأ الأمر الحقيقى وتكشف المستور دون أن يدري.
الجينات — نعم، الجينات — تتحكم في كل شيء فينا، حتى في حب الوطن أو خيانته...هناك من وُلد وفي جيناته حب الوطن، مستعدّ لأن يفديه حتى آخر يوم في عمره، وهناك من وُلد وفي جيناته بيع النفس لمن يدفع أكثر.
في الظاهر، قد تراهم يتغنون بحب الوطن، يرفعون الشعارات ويدّعون الدفاع عنه، بينما في الباطن جيناتهم كلها خسة وخيانة... يظهرون بمظهر المخلصين، لكنهم لا يرون فى الوطن إلا «سعر متر» قابل للمساومة كل صباح.
يتنقلون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في لمح البصر، المهم أن ينفذوا التعليمات ويقبضوا الثمن، ولديهم ألف مبرر ومبرر لكل مواقفهم... تراهم أنيقين محترمين، يبدون كنجوم المجتمع،تحركهم جينات العبيد، ينتظرون إشارة من أسيادهم لينهشوا لحم أيّ مخالف أو صاحب مبدأ، علنا يتحدثون عن حرية الرأي والرأي الآخر،فيما تصدر أوامرهم سرا بمصادرة كل اختلاف، وربما بقطع رقبة من يفكر بطريقة مختلفة... شعاراتهم مجرد ستار هشّ يخفي وراءه طغيان الجينات المريضة... يرفعون شعار «عاش الملك... مات الملك»،...يظهرون في كل زمان ومكان، يبدون كمدافعين عن المصلحة العامة، بينما جيناتهم الخبيثة لا تعرف إلا مصلحة الذات...هم عبيد الكرسي أياً كان الجالس عليه،..فكل من يتربع على العرش يصبح سيدهم الجديد...يهتفون له، يسبّحون بحمده، وحين تتغير الأحوال،يسقط القناع، وتخرج الفئران من جحورها لتلعن الملك القديم وتتغنى بمزايا الجديد، وكأن شيئًا لم يكن.