جدل واسع في ليبيا بعد اتهام وزير التربية لـ«المعلمين» بتعاطي المخدرات
لم تكن كلمات عابرة تلك التي أطلقها وزير التربية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، علي العابد، حين قال إن "بعض المعلمين يتعاطون المخدرات"، تصريح قصير أشعل فتيل أزمة عارمة داخل أروقة التعليم، وامتد صداه إلى النقابات، والمجالس المحلية، ومنصات التواصل الاجتماعي، فما بين الغضب المهني والجدل الأخلاقي، وجد الوزير نفسه في قلب عاصفة سياسية واجتماعية غير مسبوقة، تهدد موقعه وتربك الحكومة التي ينتمي إليها، ورغم محاولات وزارة التربية والتعليم تهدئة الأجواء وتوضيح أن التصريح "استند إلى تقارير محدودة لا تعني التعميم"، فإن الرسالة وصلت إلى الشارع التربوي كإهانة صريحة لمعلمي ليبيا، الذين اعتبروا أنفسهم مستهدفين في كرامتهم وهيبتهم، ومع تصاعد الأصوات المطالبة بإقالة الوزير أو محاسبته، تحوّلت القضية من "زلة لسان" إلى اختبار حقيقي لمدى احترام السلطة للمؤسسة التعليمية في بلد أنهكته الانقسامات.
غضب الشارع
منذ اللحظة التي أدلى فيها وزير التربية الليبي علي العابد بتصريحه المثير للجدل، حول وجود "معلمين يتعاطون المخدرات"، حتى انفجرت ردود الأفعال كالنار في الهشيم، لتتحول الجملة إلى محور نقاش وطني تجاوز حدود التعليم إلى ميادين السياسة والأخلاق والمجتمع.
الوزير، الذي تحدث بنبرة حازمة خلال مقابلة إعلامية نهاية الأسبوع الماضي، أعلن عزمه إخضاع جميع المعلمين لفحوص طبية للتأكد من سلامتهم، داعيًا إلى "التحقق من ماضي كل معلم قبل توليه مهمة التربية"، لكن ما أراده العابد كرسالة إصلاحية، فسر في الشارع التعليمي كاتهام عام وإهانة ممنهجة لمهنة طالما عانت من الإهمال وضعف التقدير.
اعتذار غير كافي
في محاولة لاحتواء الغضب، أصدرت وزارة التربية والتعليم بيانًا أوضحت فيه أن الوزير لم يقصد التعميم، وأن حديثه استند إلى تقارير محدودة عن حالات فردية، إلا أن تلك التوضيحات لم تُقنع كثيرين، فالنقابات التعليمية رأت فيها تبريرًا غير مقبول لما اعتبروه "تجاوزًا أخلاقيًا" و"مساسًا بكرامة المعلم الليبي".
اللجنة التسييرية للنقابة العامة للمعلمين وصفت تصريحات العابد بأنها "مهينة وتمسّ المربين في شرفهم المهني"، مهددة بتنظيم اعتصام مفتوح قد يشل العملية التعليمية في عموم البلاد، ما لم يقدم الوزير للمساءلة أو يجبر على الاعتذار العلني، النقابة ذهبت أبعد من ذلك حين طالبت بإحالته إلى النائب العام، معتبرةً أن تصريحاته تمثل إساءة لقطاع بأكمله، لا لأفراد بعينهم.
في المقابل، أبدى موظفو مراقبة التعليم في بلدية العزيزية رفضهم القاطع لتصريحات العابد، مطالبين الحكومة بإلزامه بالاعتذار لكل معلم ليبي.
أما في الشارع الافتراضي، فقد تحولت القضية إلى عاصفة رقمية، إذ أطلق ناشطون حملة تحت وسم #إقالة_وزير_التربية، معتبرين أن استمراره في منصبه يشكل "تهديدًا لمصداقية العملية التعليمية".
تصعيد نقابة المعلمين
مع تفاقم الغضب، دخلت نقابة المعلمين على خط التصعيد من جديد، وأعتبر أمين سر اللجنة التسييرية لمعلمي ليبيا، سالم أرويحة، أن تصريحات الوزير تمثل "تشهيرًا ممنهجًا بمهنة التعليم"، مؤكدًا أن الأزمة لن تنتهي إلا باستقالة العابد.
وأشار أرويحة في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إلى أن تجاوز الوزير لحدوده ليس جديدًا، لاسيما وأنه يشغل ثلاث حقائب وزارية في حكومة الدبيبة، ما يعكس -بحسب قوله- "اختلالاً في منظومة الكفاءة داخل مؤسسات الدولة".
وفي تحرك ميداني، أعلن أرويحة أن اللجنة تدرس تشكيل وفد من المعلمين للقاء رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة مباشرة، ومطالبته باتخاذ قرار عاجل بإقالة الوزير، كما لوّح بأن أي تأخير في الاستجابة سيقابله تصعيد يشمل إغلاق المدارس وتعليق الدراسة، في خطوة غير مسبوقة منذ سنوات.