ترامب وشي.. تفاهمات مرحلية أم توازن اقتصادي جديد بين القوتين الأكبر عالمياً؟
في ظل تصاعد التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين خلال السنوات الأخيرة، ينتظر العالم اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج، الذي يأتي ضمن الجولة الآسيوية للرئيس الأمريكي، ويُعد لحظة فارقة في مسار العلاقات الاقتصادية والسياسية بين أكبر اقتصادين عالميًا، ويثير هذه اللقاء الكثير من التساؤلات حول مدى قدرته على تهدئة النزاع التجاري الطويل وتحديد ملامح المرحلة المقبلة في العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي.
المحلل الاقتصادي حسام عايش، يؤكد أن لقاء ترامب بالرئيس الصيني يعتبر خطوة نحو إرساء تفاهمات مرحلية، وليس اتفاقًا نهائيًا، لافتًا إلى أن هذه اللقاءات تسهم في تخفيف حدة التوترات التجارية بشكل مؤقت، لكنها لا تنهي الصراع الأساسي بين واشنطن وبكين، والذي يمتد إلى المجالات السياسية والعسكرية والتكنولوجية.
وأوضح عايش، في تصريحات لـ"إيجبتك"أن إمكانية التوصل إلى اتفاق تجاري مرحلي تظل واردة، لكنها لن تكون دائمة، لأن ردود فعل الإدارة الأمريكية على قرارات الصين غالبًا ما تكون سريعة وغير متوقعة، وقد تأخذ أحيانًا طابع الغضب والتصعيد، مما يعيد التوترات إلى الواجهة ويستدعي اتفاقات جديدة في مراحل لاحقة.
رفع مؤشرات الأسهم
وعن نتائج اللقاء المرتقب على الأسواق المالية الدولية، قال عايش، إنه من المرجح أن تدفع حالة التفاؤل المؤقت المستثمرين إلى رفع مؤشرات الأسهم وتعزيز الثقة في الأسواق، خاصة مع تصاعد الآمال بعودة الاستقرار في العلاقات التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر عالميًا، لكنه حذر من أن هذا التفاؤل قصير الأجل، لأن استمرار الغموض في تفسير الاتفاقات أو تنفيذها قد يعيد حالة عدم اليقين للأسواق العالمية.
تخفيف القيود الجمركية
وتابع أن تخفيف القيود الجمركية بين البلدين قد يكون أحد مخرجات اللقاء، غير أن الولايات المتحدة تضع دائمًا مصلحتها في المقام الأول، كما صرح الرئيس الأمريكي، ما يجعل أي تفاهمات محدودة ومقيدة بحدود المصلحة الأمريكية المباشرة. وقال إن هذه الاجتماعات، رغم كونها توفر مساحة مؤقتة من الهدوء في خضم الحرب التجارية، إلا أنها لا تلغي الطابع المتقلب لقرارات الإدارة الأمريكية، التي تميل إلى التصعيد المفاجئ والقرارات غير المتوقعة، ما يجعل حالة عدم الاستقرار التجاري العالمي مستمرة في المدى المنظور.
تنازلات متبادلة بين الولايات المتحدة والصين
يرى حسام عايش، أن إمكانية حدوث تنازلات متبادلة بين الولايات المتحدة والصين قائمة بالفعل، لكن من غير المرجح أن تقدم بكين تنازلات حقيقية طالما استمرت واشنطن في اتباع نفس سياساتها التجارية الصارمة، موضحًا أن ما قد يحدث هو تنازلات شكلية من الجانبين لإظهار وجود تفاهم عام أو إطار اتفاق، حتى وإن لم يتضمن ذلك حلولًا جوهرية، لأن فشل القمة في التوصل لأي تفاهم سيترك انعكاسات سلبية واسعة على الأداء الاقتصادي العالمي، وحركة التجارة الدولية، وأسعار السلع، وتوقعات النمو.
الاقتصاد الصيني يعتمد على فكرة أنه “مصنع العالم”
وأكد عايش، أن الصين تحرص على استقرار علاقاتها مع الولايات المتحدة باعتباره جزءًا أساسيًا من استقرار علاقاتها الدولية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الصيني يعتمد على فكرة أنه “مصنع العالم”، وأن أي اضطرابات في هذه الصورة قد تمس جوهر المعجزة الاقتصادية الصينية، مؤكدًا أن بكين تعمل في الوقت الحالي على إعادة تشكيل نموذجها الاقتصادي بحيث يعتمد أكثر على الاستهلاك المحلي ورفع مستويات دخل الفرد، على غرار الاقتصادات الغربية، مما يقلل من اعتمادها المفرط على التصدير. ولهذا فهي تسعى إلى فترة من الهدوء تمكنها من تنفيذ هذه التحولات دون ضغوط خارجية.
الصين قطب عالمي
ويرى حسام عايش، أن مثل هذا التفاهم سيسمح للصين بتأكيد مكانتها كقطب عالمي مؤثر في تقرير مصير الاقتصاد العالمي، ضمن نظام متعدد الأقطاب تسعى إليه بكين، في مقابل تحقيق مكاسب داخلية للرئيس الأمريكي تساعده على تعزيز موقعه السياسي والاقتصادي داخل الولايات المتحدة.
وفي نفس السياق قال أبوبكر الديب، مستشار المركز العربي للدراسات والباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، إن لقاء ترامب بالرئيس الصيني يعتب محاولة من الطرفين لإعادة صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، مشيرًا إلى أن هذا اللقاء يمكن أن يغيّر مسار الحرب التجارية، لكنه لن ينهيها بالضرورة، إذ يتوقف ذلك على طبيعة التفاهمات التي سيتم التوصل إليها، فهناك سيناريوهين محتملين:
الأول هو سيناريو “التهدئة المرحلية”، ويتضمن تنازلات محدودة من الطرفين، كتخفيض جزئي للرسوم الجمركية على سلع صناعية أو تكنولوجية، وإعادة فتح قنوات الحوار في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة. وهذا السيناريو من شأنه أن يبعث برسالة طمأنة للأسواق ويعيد بعض الاستقرار إلى سلاسل الإمداد العالمية.
أما السيناريو الثاني، فهو “الهدنة المؤقتة”، وتُستخدم لتخفيف الضغوط السياسية الداخلية دون معالجة جوهرية للقضايا الخلافية الكبرى مثل الدعم الحكومي للشركات الصينية أو نقل التكنولوجيا القسري أو حماية الملكية الفكرية. وفي هذا الإطار، يرى الديب، أن الحرب التجارية قد تأخذ شكلاً جديداً من “المنافسة المقننة” بدلاً من التصعيد المفتوح.
وعن إمكانية تخفيف القيود الجمركية، قال أبوبكر الديب في تصريحات لـ “إيجبتك” إن الاحتمال الأقرب هو الاتجاه نحو “تخفيف جزئي ومدروس”، وليس رفعاً شاملاً للرسوم. وأوضح أن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطاً من قطاعات صناعية وزراعية متضررة من ارتفاع التكاليف، بينما تسعى الصين لتأمين نفاذ أكبر لمنتجاتها إلى الأسواق الأمريكية دون تقديم تنازلات كبرى في القطاعات الاستراتيجية.
خفض في الرسوم الجمركية
وأضاف أن أي خفض في الرسوم الجمركية سيؤثر بشكل مباشر على أسعار السلع العالمية، مشيراً إلى أن تخفيف الحواجز سيخفض تكاليف بعض السلع الوسيطة والصناعية، ويُسهم في كبح جماح التضخم العالمي، خصوصاً في أسواق الغذاء والطاقة والمعادن.وأكد أن تخفيف القيود التجارية بين البلدين سيساعد على إنعاش حركة التجارة الدولية وإعادة الثقة إلى الشركات متعددة الجنسيات التي تضررت من التوترات بين واشنطن وبكين، كما سيؤدي إلى تحفيز الاستثمارات عبر الحدود وعودة جزء من التصنيع إلى دول العالم النامي.
القطاعات التي ستستفيد من أي اتفاق اقتصادي محتمل
وأوضح الديب، أن أكثر القطاعات التي ستستفيد من أي اتفاق اقتصادي محتمل هي التكنولوجيا والإلكترونيات وصناعة السيارات الكهربائية واللوجستيات، إذ تعتمد هذه القطاعات على مكونات متبادلة بين البلدين. وأي خفض في التعريفات سيعني انخفاض التكاليف وعودة الانتعاش إلى سلاسل التوريد.
وأضاف أن قطاع التجزئة العالمي سيستفيد أيضاً من تخفيف الرسوم، خاصة أن الصين تعد المورد الأول للعديد من السلع الاستهلاكية التي تباع في الأسواق الأمريكية والأوروبية.
القطاعات التي ستتأثر سلبًا
وفي المقابل، أشار إلى أن القطاعات التي تعتمد على الحماية الجمركية أو الدعم الحكومي ستتأثر سلباً، خاصة الصناعات التقليدية التي تواجه منافسة صينية حادة. كما قد تتضرر بعض الصناعات التكنولوجية الحساسة في الصين إذا اضطرت بكين لتقليص الدعم أو فتح أسواقها بشكل أوسع أمام الشركات الأجنبية.
الصين لن تقدم تنازلات جوهرية تمس جوهر نموذجها الاقتصادي
قال أبوبكر الديب إن الصين لن تقدم تنازلات جوهرية تمس جوهر نموذجها الاقتصادي القائم على تدخل الدولة ودعم الشركات الوطنية. لكنها قد تلجأ إلى تفاهمات مؤقتة تتيح للولايات المتحدة مكاسب سياسية وإعلامية، مقابل ضمان استمرار الوصول إلى الأسواق الأمريكية دون تصعيد جديد.
وأضاف أن بكين ستسعى إلى “توازن تكتيكي” يحافظ على مصالحها الاستراتيجية ويمنحها وقتاً لمواصلة تطوير صناعاتها المتقدمة. فالصين تدرك أن التراجع الكامل أمام واشنطن سيُفسَّر كضعف، لذلك ستفضل حلولاً وسطى تقوم على "تبادل المنافع" وليس على التنازلات أحادية الجانب.
وأشار إلى أن الصين قد تقدم بعض التسهيلات في مجالات مثل حماية الملكية الفكرية أو فتح قطاعات الخدمات والمال جزئياً أمام الاستثمارات الأمريكية، لكنها لن تمس القطاعات السيادية المرتبطة بالأمن القومي أو التكنولوجيا الفائقة.
انفراجة في حركة التجارة الدولية
وتحدث الديب عن انعكاسات محتملة على الأسواق الناشئة، قائلاً إن أي نجاح في التفاهم بين واشنطن وبكين سيُترجم إلى انفراجة في حركة التجارة الدولية وزيادة في التدفقات الاستثمارية نحو دول العالم النامي.وأوضح أن الأسواق الناشئة ستستفيد من انخفاض أسعار المواد الخام وتراجع تكاليف النقل والإنتاج، إضافة إلى تحسن ثقة المستثمرين العالميين، وهو ما سينعكس إيجاباً على معدلات النمو.
توازن مصالح”
ورأى أبوبكر الديب أن العالم يتجه بالفعل نحو مرحلة “توازن مصالح” جديدة بين الولايات المتحدة والصين، تقوم على التعاون الانتقائي بدلاً من المواجهة الشاملة. وقال إن واشنطن تدرك أن احتواء الصين اقتصادياً بات أمراً صعباً، كما أن بكين تدرك أن استدامة نموها تتطلب علاقات مستقرة مع الولايات المتحدة، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستشهد نوعاً من “إدارة التنافس”، بحيث تتعاون القوتان في مجالات مثل التغير المناخي والطاقة النظيفة والاستقرار المالي، بينما تتنافسان في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية والفضاء.
وفي حال فشل التوصل لاتفاق، قال الديب، فإن هذا سيعني استمرار المواجهة التجارية وربما اتساعها لتشمل مجالات التكنولوجيا والطاقة والعملات الرقمية، وهو ما قد يهدد النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.