رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من غبار المناجم إلى قهوة ستاربكس.. أسرار رحلة الذهب المسموم في غانا

الذهب في غانا
الذهب في غانا

في أعماق غانا، حيث تمتزج التربة الحمراء برائحة الزئبق، تدور قصة من أغرب مفارقات الاقتصاد الإفريقي، بلد غني بالذهب، يطفو على بحر من الفقر والتلوث، هنا لا يلمع المعدن الأصفر بريقًا للثروة فحسب، بل يختلط بالدموع والعرق، ليجد طريقه في نهاية المطاف إلى مصانع "تيسلا" ومقاهي "ستاربكس" ومخازن "أمازون". 

ورغم أن الذهب يمثل العمود الفقري لصادرات غانا، فإن الجزء الأكبر من تجارته يتم خارج القنوات الرسمية، عبر شبكة غير مرئية من المناجم الصغيرة والمصافي المشبوهة، هذا الاقتصاد الموازي يُدر المليارات، لكنه يترك وراءه أنهارًا مسمومة، وغابات منهوبة، وسكانًا يقتاتون على التربة الملوثة، وبينما تتنصل الشركات الكبرى من المسؤولية، تواصل الحكومة الغانية لعبة التوازن بين العائد المالي والكارثة البيئية.

 

حمّى الذهب.. الوجه الآخر للثروة

لم تكن غانا يومًا غريبة عن الذهب، فمنذ قرون، كانت تعرف باسم "ساحل الذهب"، وها هي اليوم تتربع على عرش الإنتاج الإفريقي متقدمة على جنوب إفريقيا، وتحتل المرتبة السادسة عالميًا.

لكن خلف هذا المجد الاقتصادي، تتكشف معادلة معقدة، أكثر من مليون غاني يعملون في التعدين الحرفي، وفق بيانات "أوكسفورد بيزنس غروب"، بينما لا توظف الشركات النظامية سوى 12 ألف عامل فقط، بهذا التفاوت، يتحول التعدين غير الرسمي إلى اقتصاد موازي، ضخم وغير خاضع للرقابة، يستهلك موارد البلاد ويقوّض قدرتها على حماية بيئتها ومواطنيها.

وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 229 طنًا من الذهب، بقيمة تتجاوز 10 مليارات يورو، غادرت البلاد سرًا بين عامي 2019 و2023، ذهب لا يسجل في دفاتر الدولة، لكنه يحرك تجارة عالمية ضخمة.

 

مناجم السموم.. والأنهار الميتة

في القرى والمناطق النائية، يستخدم عمال المناجم موادّ قاتلة مثل الزئبق والزرنيخ والرصاص لفصل الذهب عن الصخور، وكشفت دراسة صادمة لـ«وكالة حماية البيئة الغانية»، أن مستويات الزرنيخ في بعض المناطق تجاوزت المعدل الطبيعي بـ 43 مرة، بينما يشرب نحو 70% من القرويين مياهًا ملوثة بالمعادن الثقيلة، مسببة أمراضًا في الكلى والرئة.

حتى الغابات والمحميات الطبيعية لم تسلم من هذه الحمّى الذهبية، إذ سيطرت جماعات مسلحة على مساحات شاسعة وحوّلتها إلى أراضٍ محفورة ومجدبة، ومع ذلك، يغض بعض المسؤولين الطرف مقابل ضرائب محلية بسيطة تجني منها البلديات نحو 140 ألف يورو سنويًا عائدات ملوثة لا تقل خطرًا عن الذهب ذاته.

 

سلاسل توريد مُلطخة بالذهب "المغسول"

ما يخرج من مناجم غانا غير الشرعية لا يتوقف عند حدودها، ففي قلب أكرا، قرب المطار الدولي، تعمل مصفاة "غولد كوست" التي تصف نفسها بأنها ثاني أكبر مصفاة في إفريقيا، هذه المصفاة، وفق تحقيقات منظمة "قصص محظورة"، تعتمد بشكل رئيسي على الذهب المستخرج يدويًا، وغالبًا بطرق غير قانونية، ورغم ادعائها بناء سلسلة توريد "مسؤولة وقابلة للتتبع"، تُظهر الوثائق أن "غولد كوست" تزود بالذهب شركات عالمية كبرى مثل "أمازون"، و"تيسلا"، و"ستاربكس"، و"زيروكس" عبر وسطاء معتمدين.

أي أن المعدن الأصفر المستخرج من أرض مسمومة، قد يجد طريقه إلى لوحات دوائر مطبوعة، أو معالج إلكتروني، أو حتى آلة قهوة تحمل شعار "ستاربكس"، وهكذا يمتد أثر الذهب القذر من قرى غانا إلى المكاتب الزجاجية في كاليفورنيا.

حين كشف النقاب عن هذه الصلات، انطلقت الشركات العالمية في سباق نفي وتبرير، أمازون أعلنت عن تحقيق داخلي "قد يفضي إلى اتخاذ إجراءات مناسبة"، و"ستاربكس" وعدت بالتحقق من أي "انتهاكات محتملة لقواعد السلوك"، بينما اكتفت "زيروكس" بالصمت المطبق.

أما "تيسلا"، فاكتفت بنشر قائمة مورديها دون تعليق، مؤكدة أنها "لا تستطيع تأكيد موقع أو طبيعة المصافي" بسبب تعقيد السلاسل العالمية، ورغم تلك الردود، يبقى التناقض صارخًا، كيف تتحدث هذه العلامات التجارية عن الاستدامة والعدالة، بينما تتغذى على ذهب يحمل بصمات بيئية وإنسانية دامية.

غانا بين لعنة الذهب وحلم الإصلاح

تحاول الحكومة الغانية اليوم إعادة الإمساك بخيوط اللعبة، فقد أطلقت عمليات أمنية ضد المناجم غير القانونية، ومنعت الأجانب من شراء الذهب المحلي، وأسست هيئة مركزية باسم "غولد بود" لشراء وتصدير المعدن.

لكن حتى هذه المبادرة تعاني من التناقض ذاته، إذ اعترف الرئيس السابق جون دراماني ماهاما بأن الهيئة نفسها تعاملت مع الذهب القانوني وغير القانوني على السواء، مبررًا ذلك بالقول: "إن بلدنا هو الذي يُدمر، لذا من الأفضل أن نستفيد منه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء