الجزائر تعيد فتح ملف «خاين الدار».. البرلمان يعيد الجدل حول إسقاط الجنسية
يعود إلى الواجهة واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في الجزائر، وهو إسقاط الجنسية عن من يتهمون بـ«الخيانة» أو الولاء لقوى أجنبية، هذا التحرك البرلماني الجديد لا يأتي من فراغ، بل يتغذى من سياق داخلي مشحون، حيث يتزايد خطاب السلطة عن “خاين الدار” و“المتآمرين من الخارج”، في ظل ما تعتبره الدولة تحديات لأمنها واستقرارها الوطني، الملف الذي أغلق قبل أربع سنوات تحت ضغط الجدل الشعبي، يبعث اليوم في بيئة مغايرة، بيئة تتسم بتوترات إقليمية على حدود الساحل، وحروب إعلامية وسيبرانية تمس صورة الدولة، وبين من يراه خطوة ضرورية لحماية السيادة، ومن يخشى أن يتحول إلى أداة لإسكات المعارضين، يبدو أن الجزائر تتجه نحو ترسيم مفهوم جديد للولاء الوطني، تختبر فيه حدود الانتماء بين الدولة ومواطنيها في زمن التحولات والتهديدات المتشابكة.
النواب يعيدون فتح الملف المغلق
قدم عدد من نواب حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الموالي للرئيس عبد المجيد تبون، مقترحًا لتعديل قانون الجنسية الجزائري، يتيح سحب الجنسية من كل من يثبت تورطه في أفعال تمسّ مصالح الدولة أو سيادتها أو وحدتها الوطنية.
التحرك التشريعي جاء بعد أسابيع من تصريح الرئيس تبون، الذي دعا علنًا إلى مواجهة "خاين الدار"، مؤكدًا أن الجزائر أصبحت "مخيفة للبعض" بسبب مواقفها الدولية، خصوصًا في القضية الفلسطينية.
تتزامن المبادرة مع تصاعد الخطاب الرسمي حول “المؤامرات الخارجية” وضرورة التعبئة ضد “أعداء الداخل”، ففي يونيو 2025، أقرت الجزائر قانون “التعبئة العامة” الذي تضمّن عقوبات صارمة ضد كل من يتعاون مع "دول معادية"، أو يتقاعس عن التبليغ عن وجود "رعايا أجانب مشبوهين".
القانون جاء على خلفية توتر أمني حاد مع منطقة الساحل الأفريقي، بعد إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة مالية على الحدود، وفي خضم هذا المناخ الملتهب، يُعاد اليوم طرح فكرة “إسقاط الجنسية” كامتداد لتلك السياسات الوقائية، لتشمل ليس فقط المخاطر الأمنية، بل الولاء السياسي والفكري للمواطنين في الخارج.
بين الوطنية والعقاب السياسي
المشروع الجديد، وفق الصيغة المتداولة، يشمل إمكانية إسقاط الجنسية الأصلية أو المكتسبة عن كل من يقدم خدمات لقوى أجنبية أو يروج لكيانات تصنفها الجزائر “معادية”، مثل حركتي رشاد والاستقلال الذاتي للقبائل، اللتين وُضعتا ضمن قوائم “الإرهاب”، غير أن هذه الخطوة تثير تخوفات قانونيين وحقوقيين من أن تتحول إلى أداة سياسية، تسمح بتجريد المعارضين في الخارج من جنسيتهم بذرائع فضفاضة، ما يخلق سابقة تمس بالحقوق الدستورية.
المفارقة أن الحكومة كانت طرحت عام 2021 مشروعًا مشابهًا، قبل أن يلغيه الرئيس تبون بعد موجة رفض شعبي، معتبرًا أنه "أثار سوء فهم"، حينها أكد أن "أقلية الأقليات لا يمكن أن تدفع الدولة إلى إصدار قوانين لا تهم الجزائريين"، وحذر وقتها المحامي والحقوقي الشهير مقران آيت العربي من المساس بـ«الجنسية الأصلية»، معتبرًا أنها «ليست منحة إدارية بل هوية تاريخية»، وقال إن «الجزائري الأصيل يمكن أن يعدم على جرائمه، لكنه لا يجرد من جنسيته التي استشهد من أجلها أجداده».