جنة السودان.. المجاعة تحاصر «جبل مرة».. والدعم السريع يغلق طرق الحياة
في قلب دارفور، عند سفوح «جبل مرة»، تتقاطع أكثر مفارقات السودان مأساوية، أرض تفيض بالخصب، وسكان يواجهون الجوع، في المنطقة التي تعرف تاريخيًا بوفرة محاصيلها الزراعية وجودة ثمارها، تتعفن الفواكه والخضروات في الحقول بسبب الحصار والقتال وحصار الدعم السريع للطرق التجارية، ومع اتساع رقعة الحرب بين الجيش السوداني و"ميليشيات الدعم السريع"، أصبحت «جنة دارفور» المعزولة نموذجًا صارخًا لمعاناة المدنيين ويعيش سكانها على أمل ضئيل بأن تخرج ثمارهم يومًا إلى الأسواق بدل أن تذبل تحت الشمس.
ثمار بلا طريق.. والخصب يتحول عبئًا
على أطراف بلدة "قولو"، يتراكم البرتقال على الأرض كما لو كان شاهدًا على مأساة لا تجد من يرويها، يقول حافظ علي، أحد بائعي الفاكهة المحليين لـ"بي بي سي"، أحيانًا نبيع السلة بما لا يساوي ثمن النقل، وأحيانًا نتخلص منها في الطريق لأنها تتعفّن قبل أن تصل.
الطرق الترابية التي كانت تربط جبل مرة بالمدن الرئيسية تحوّلت إلى مسالك موت. المزارعون يخاطرون بحياتهم لنقل المحاصيل، لكنّ النقاط المسلحة ومخاطر النهب والاشتباكات تجعل التجارة شبه مستحيلة، وفي بلد يواجه فيه نحو 25 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، تصبح هذه الوفرة الزراعية مجرّد ترف مأساوي لا يمكن الوصول إليه.
المعزولون في الجبل.. بين الحرب والسيادة المزعومة
منذ عقدين، حافظت حركة تحرير السودان -جناح عبد الواحد- على سيطرتها في جبل مرة، ورفضت الانخراط في اتفاقات السلام التي أنهت النزاعات السابقة في دارفور، لكن هذه "الاستقلالية" أصبحت اليوم لعنة، بعدما تحوّلت المنطقة إلى جزيرة محاصرة من الجهات الأربع: من الشمال والغرب تغلق قوات الدعم السريع الطرق المؤدية إلى الأسواق، ومن الجنوب يقصف الجيش مواقع الميليشيا، ومن الشرق تتسلّل نيران الدعم السريع وجرائم عناصره لتقطع الطرق نحو القرى.
بات سكان الجبل معزولين تمامًا، لا تصلهم المساعدات الإنسانية، ولا يستطيعون الخروج إلى المدن، وحتى مع وجود بعض الهدن المحلية، فإنها هشة ولا تدوم، يقول أحد سكان، نعيش بين ثلاث حروب: "حرب السلاح، وحرب الجوع، وحرب الصمت".
أسواق الظل.. تجارة محفوفة بالخطر
في مناطق الحصار، ظهرت أسواق مؤقتة أشبه بالمغامرة اليومية، في سوق "تاويلا"، يبيع المزارعون القليل مما يمكنهم حمله على ظهور الحمير، بعد رحلة تستغرق يومًا كاملًا لعبور 12 كيلومترًا فقط.
ويقول يوسف، بائع الفاكهة: “أحيانًا نصل ونجد السوق مغلقًا بسبب الاشتباكات، فنرمي البضاعة ونعود"، وفي "نرتتي"، فتحت هدنة محلية بين قبائل الفور والبدو سوقًا أسبوعيًا لتبادل اللبن والفاكهة، لكن الخوف لا يغيب.
الطريق إلى السوق يعني المرور بعشرين نقطة تفتيش، أكثرها يتبع للدعم السريع، وبعضها لميليشيات محلية أو لمقاتلي الحركة، يدفع السائقون "رسوم مرور" عند كل حاجز، فيما تفتش العربات بدقة، ويصادر ما يعتبر "ممنوعًا" حتى كريمات البشرة أو أدوات النظافة البسيطة، إنها رحلة تجارة تشبه المرور من حقل ألغام، حيث الخطر في كل خطوة، والموت احتمال قائم، وفقًا لـ"بي بي سي"
النازحون في الجبل.. بين الجوع والعزلة
مع تصاعد القتال في الفاشر وزالنجي، لجأ الآلاف إلى جبل مرة بحثًا عن الأمان، لكنّ الجبل، رغم هدوئه النسبي، لم يعد قادرًا على استيعاب هذا التدفق البشري، المدارس تحوّلت إلى ملاجئ مكتظة، والمراكز الصحية إلى أماكن انتظار للمساعدات التي لا تأتي.
تقول "آمنة"، ممرضة نازحة من الفاشر، هربنا من القصف، لكننا وجدنا الجوع هنا ينتظرنا، تجلس آمنة وسط صف دراسي تأوي فيه 25 أسرة، حولها أطفال جياع وشيوخ مرهقون من العطش، فيما تتناثر أكياس البرتقال التالفة أمام المدرسة، كرمز موجع لمأساة بلد يملك الطعام ولا يقدر على أكله.
من الناحية الأممية، تبذل المنظمات الدولية جهودًا هائلة لتحاول الوصول، لكنها تصطدم بجغرافيا الخطر، ونقاط تفتيش تعامل شاحنات الإغاثة كأنها شحنات تجارية، تجبى منها الرسوم وتحتجز لساعات أو أيام.