رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معارك المثقفين من حالة التوهج إلى الرتابة والجمود

معارك المثقفين
معارك المثقفين

تخلو الساحة الثقافية منذ فترة طويلة من المعارك الفكرية التي كانت تدور بين المفكرين والمثقفين المصريين، وتحولت المعارك الفكرية والسجالات الفكرية إلى حالة من التراشق بين أطراف الفكر المختلف ونتج عنه نوع من الغوغائية ساهمت فيها مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت أي فكرة أو وجهة نظر مختلفة تقابل بوابل من السخرية والتهكم تصل لحد السباب أحانا بين جميع الأطراف مؤيدين ومعارضين، هذا بخلاف تفاهة الأغلب الأعم من الأفكار المطروحة.


مسألة خلق القرآن


تعد مسألة خلق القرآن من أشهر السجالات في التاريخ العربي والإسلامي، وأطلق عليها (محنة خلق القرآن) بسبب ما تعرض له المخالفون من عزل أو حبس وتعذيب مثل الذي حدث مع أحمد بن حبل حيث نكل به الخليفة المأمون ولم ينهي هذه المسألة ويفرج عن الإمام بن حنبل إلا الخليفة المتوكل.

اتبع الخليفة المأمون رأي المعتزلة والذين اعتبروا أن القرآن مخلوقا، وأنه صفة غير قائمة بذاته كما هو الحال بالنسبة للنعمة، مع اعتقادهم بأنه المرجع الأساسي والوحيد على الأحكام في الحلال والحرام.

يعتبر جهم بن صفوان أول من تحدث في هذه المسألة  قال أن كلام الله إنما هو صفة فعل كسائر الأفعال التي تحدث في العالم وهي أيضا من خلقه، وترتب على ذلك القول بخلق القرآن، واتبعه المعتزلة ووافقوه على هذا الرأي وزادوا عليه، اتبع رأيهم الخليفة المأمون.

تناقش بعض الآراء قيام المأمون بالتنكيل بمعارضيه ليس بسبب معارضتهم له أو للفكرة، بل لرفضهم إعمال العقل، وظهور أي آراء جديدة مما يؤدي للجمود الفكري، ففي رأيهم أن الخليفة المأمون كان يريد  حرية فكرية لا تتأثر بأهواء علماء الدين.


المسألة الزنبورية والسجال بين الكسائي وسيبوية

يوجد سجال تاريخي أيضا في العصر العباسي ولكن هذه المرة في علوم اللغة بين سيبويه والكسائي فيما يطلق عليه (المسألة الزنبورية) حيث ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يقال "كنت أظن أن العقرب أشد لَسْعَةً من الزُّنْبُورِ فإذا هو إياها". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقال: "فإذا هو إياها". ويجب أن يقال: "فإذا هو هي" والذي انتهى فيها السجال إلى الاختلاف بين مدرسة الكوفة والبصرة.

 

سجالات العصر الحديث

حدثت في مصر أيضا سجالات ومعارك في كثيرة خاصة في حقبة ثورة 1919 وما بعدها، حيث تعتبر تلك الفترة واحدة من أكثر الفترات ليبرالية وحرية في التاريخ المصري المعاصر، ولا زالت الحياة الثقافية والفنية تقتات على ما أنتجته هذه الحقبة. 


الإسلام وشئون الحكم

كان الحاكم العثماني يحكم باسم خليفة المسلمين، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وإنهاء الخلافة العثمانية بمقتضى اتفاقية لوزان2 أصبح ما يسمى بمنصب خليفة المسلمين خاليا، وراودت الفكرة أكثر من حاكم عربي أن يعلن نفسه خليفة للمسلمين، ولم تعترض إنجلترا، لأنها وجدت في هذا التفكير حماية من المد الشيوعي.

أعلن الملك فؤاد الأول نفسه خليفة للمسلمين سنة 1925ويعترض على هذا اللقب الشيخ علي عبد الرازق ويكتب كتابه الأشهر (الإسلام وشئون الحكم) والذي يتحدث فيه عن فصل السلطات الدينية عن مدنية الدولة، واعتبار شئون الحكم مسألة بشرية، ورد عليه مفتي الديار المصرية الشيخ خلف محمد خلف المطيعي والذي ألف كتابا أطلق عليه (حقيقة الإسلام وشئون الحكم).


ويحكي الكاتب الكبير ما حدث بين المطيعي وأتباعه وبين الشيخ علي عبد الرازق، والذي تم تجريده من مناصبه، وسحب شهادة العالمية منه ويحقق بهاء الدين مقال منشورا بغير اسم ويرجح أنه لطه حسين وفيه يهنئ الشيخ علي عبد الرازق أنه تخلص من قيود الأزهر وخلعه للزي الأزهري وما فيه من قيود فكرية.


انتهت المعركة الفكرية ولم يستطع أن يقف الملك فؤاد في وجه الشيخ علي عبد الرازق على الرغم من الحشد الذي وقف ضد الشيخ علي عبد الرازق، وبقي كتاب (الإسلام وشئون الحكم) في المكتبة العربية شاهدا على أول كتاب يعلن مدنية الدولة في وجه المد الديني.


على السفود بين الرافعي والعقاد

كتب مصطفى صادق الرافعي كتاب (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) وصدرت أول طبعة منه سنة 19012، وقام فؤاد تقديرا منه للكتاب بإعادة طبعه على نفقت الخاصة مرة ثانية سنة 1928، ولاقى الكتاب تقديرا كبيرا من المثقفين والمفكرين حتى أن سعد زغلول مدح الكتاب.

كانت العلاقة بين الرافعي والعقاد قبل ظهور الطبعة الملكية على أحسن ما يرام، حتى صدر الكتاب مرة ثانية ويتقابل الرجلان في مقر جريدة المقتطف ويسأله الرافعي عن رأيه في الكتاب ويهاجم العقاد الرافعي مهاجمة شديدة، وسفه من الكتاب وقال أنه يسفه من عظمة القرآن، واتهمه أنه زور كلام سعد زغلول عن مدحه في الكتاب، ولم تكن هذه أول خصومة بين الرجلين، بل قبلها في 2014 كتب العقاد مقالة في جريدة المؤيد عنوانها (فائدة من أفكوهة) تعليقا على الجزء الأول من كتاب الرافعي (تاريخ آداب العرب)، ونشر العقاد مقالة أخرى بعنوان (ما هذا يا أبا عمرو) عما كتبه الرافعي تعقيبا على نشيد أِحمد شوقي: بني مصر مكانكم تيها ... فهيا مهدوا للملك هيا. 

اعتاد الرافعي على نشر مقالاته بعنوان (على السفود) والسفود هو الشيخ الذي تتم عليه شواء اللحوم، وقام الرافعي بجمع هذه المقالات في كتاب بنفس الاسم ليبقى لنا مقالات تعد نموذج فذ في النقد الأدبي المحكم، ويعيب هذه المقالات الهجاء والسب والشتم، والذي لو خليت منهم لكان لها شأن آخر في الإبداع.


توفيق الحكيم والشعراويِ والحديث مع الله

كتب توفيق الحكيم مقال بعنوان حديث مع الله اعتبره الشعراوي الذي قاد مجموعة من رجال الدين للهجوم على الحكيم ما قاله مسيئا للعقيدة، وبعد سجالات انسحب توفيق الحكيم لأن اعتبر ما يحدث نوع من الغوغائية، إلا أن الحكيم والشعراوي تصالحا بعد ذلك أثناء مرض الأول، وزيارة الشعراوي له في المستشفى.


إنكار الشفاعة بين مصطفى محمود وبنت الشاطئ

تعتبر معركة الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) مع مصطفى محمود والذي أنكر شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم آخر العهد بالمعارك والسجالات الفكرية،  فكلاهما ناقش الآخر في مقالات نشرت في جريدة الأهرام.

استند محمود  إلى الآية الكريمة "{قل لله الشفاعة جميعاً}" معتبراً أن ملكية الله للشفاعة وحدها تعني عدم إمكانية أن يشفع أحد آخر. وفسّر قوله في تأويل آيات العذاب، مثل مشهد الموت، ليعارض مفهوم الشفاعة.

طرح تساؤلات حول شفاعة النبي في عصاة المسلمين، معتبراً أنهم يستحقون العقاب، وفسر ذلك على أنه اتكال على الشفاعة، مما استدعى نفيها.


رد الدكتورة بنت الشاطئ على مصطفى محمود

اعتمدت على تفسير الآيات القرآنية والأحاديث التي تثبت الشفاعة، وفسّرت أن شفاعة الشافعين لا تعارض ملكية الله للشفاعة. وأشارت إلى أن مصطفى محمود خلط بين التفسيرات الخاطئة للقرآن والحديث الصحيح، كما فعل الخوارج والمعتزلة.  واستدلّت على أن الفساق لا ينفون الشفاعة إذا كانوا يعتمدون عليها بطريقة خاطئة.

ويعد هذا آخر العهد تقريبا بالسجالات الثقافية والفكرية في مصر، وتنبع أهمية هذه السجالات أن تثري الحياة الثقافية والفكرية، وتفتح أفاقا جديدة أمام الكتاب والمثقفين لإعمال الفكر وانتشال الفكر من حالة الجمود التي تعتريهِ

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء