كيف نعيد إلي حورس عينه؟
يحيلنا الاستعداد للحدث الجلل ألا وهو افتتاح المتحف المصري الكبير؛ إلى التطرق إلى جذور حضارتنا في استدعاء لأسباب المجد الذي تحقق بها و فيها، ونكون مقصرين في حق أنفسنا وحق الوطن إذا لم نفعل.
في كتابها الرائع "لماذا فقد حورس عينه - قراءة جديدة في الفكر المصري"، والصادر في طبعتين أولاهما كانت عن دار شرقيات للنشر والتوزيع، 2005، تشير دكتورة ميرفت عبد الناصر إلى أن أصل مسمى "التاريخ" هو مستوحى من الأصل "ريخ"، والذي يعني في اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) : تقنية المعرفة، فالتاريخ نفسه مصري..قولاً وفعلاً، ودون انغماس في أمجاد الماضي، علينا أن نستعيد أسباب المجد بوعي وإدراك، مسقطين ذلك على الواقع واللحظة الحالية، فلا مجد باجترار انتصارات الماضي، وإنما باليقين أن بذرة المجد موجودة بالفعل في "جينات" كل المصريين، وهي تُفَعل بالعلم والعمل والعزيمة والهمة.
ومن الدروس الملهمة التي نجدها في هذا الكتاب، علاقة الكتابة بالبعث واستعادة الحياة، وهي مسألة ذات دلالات فلسفية عميقة، ففي الفصل الذي يحمل عنوان " فلسفة سيا .. من أجلها فقد حورس عينه"، نجد تحليلاً لارتباط البحث والتنقيب لدى المصري القديم، بالتوثيق/الكتابة/التسجيل، باستعادة الحياة، وقد جاءت الإشارة لذلك في إحدى الكتابات القديمة" يعود الأمس لنا..عندما نكتب".
يعود الأمس لنا..عندما نكتب، هذا تماماً ما نحتاج للإيمان به بشكل عميق لا سطحي، وأقصد بالأمس هنا "المجد" الذي كان والذي لا نزل نفخر به وهو ما يشاركنا فيه العالم في احتفالية تاريخية ناجحة بإذن الله، أما الكتابة فهي فعل عظيم بلا جدال، لكنها أيضاً تستدعي المسؤولية.. أمام الذات والتاريخ، ويقودنا ذلك أيضاً لاستدعاء فلسفة المصري القديم الذي لم يكتف بالكتابة والتدوين، وإنما اعتبر أن العمل يكون ملازماً للكتابة، والبحث عن المعرفة يقتضي الانخراط في تفاصيل الحياة بلا تكاسل، وأشير هنا إلى الأسطورة التي وردت في الكتاب، وتحكي أن "رع" نَهرَ "تحوت" ليوقفه عن الفخر باختراعه للحروف والكتابة، حيث يخشى على الناس من الاعتقاد أن المعرفة توجد في الكتب وحدها.
تقول الأسطورة أن حورس فقد عينه في صراعه مع ست، ولولا مساعدة تحوت ما استعاد حورس عينه، وتحلل الدكتورة ميرفت ذلك باعتباره أكثر من مجرد صراع بين الخير والشر؛ وإنما قد تمثل صراعاً بين المعرفة الذكية الأحادية (ست) والمعرفة المثالية الحماسية (حورس)، ولأنه بطبيعة الحال لم يكن ممكناً انتصار أيٍ من المعرفتين بشكل مطلق؛ جاء تدخل تحوت كتصحيح للطبيعة المعرفية الحماسية للشاب حورس لتصبح معرفة مبصرة وواعية.. أن تصبح حكيمة: أن تعود عين حورس له بعد أن صارت ذات بصر وبصيرة.
نحتفل اليوم بأمجاد أجدادنا، ونحن نعيد استلهامها وتقديمها للعالم بصورة عصرية تليق بهم وبنا، نعيد إلى أجيال جديدة عين حورس بعد أن اكتسبت مع البصر..البصيرة.