الموساد يكشف هويّة العقل المدبر الإيراني وراء محاولات استهداف إسرائيل
في فصل جديد من حرب الظلال بين تل أبيب وطهران، أعلن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" إحباط ما وصفه بـ"مخطط إيراني واسع النطاق" لاستهداف مصالح إسرائيلية ويهودية في عدد من الدول الغربية، الاتهام هذه المرة طال ضابطًا بارزًا في الحرس الثوري الإيراني يُدعى ساردار عمار، قيل إنه العقل المدبّر لشبكة عمليات سرية نفذت محاولات هجمات في أستراليا واليونان وألمانيا خلال عامي 2024 و2025، بيان الموساد، الذي نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، قدّم صورة لعمليات استخبارية عالية الدقة وبتنسيق دولي، أفضت إلى إحباط عشرات المخططات واعتقال عدد من المتورطين، لكنه أيضًا فتح الباب أمام أزمة دبلوماسية متصاعدة مع طهران، التي وجدت نفسها مجددًا في مرمى الاتهامات الدولية بالإرهاب العابر للحدود، وبينما تتحدث إسرائيل عن “إحباط خطر محدق”، تتحدث إيران عن “فبركة سياسية”، في صراع تتقاطع فيه الاستخبارات مع السياسة، والرسائل الخفية مع العلنية.
اتهام مباشر.. واسم واحد يتصدر المشهد
اتهم جهاز الموساد الإسرائيلي الحرس الثوري الإيراني بتوجيه وتمويل سلسلة من المحاولات لاستهداف شخصيات ومؤسسات يهودية وإسرائيلية خارج حدود إسرائيل، مؤكداً أن تلك التحركات جرت بتخطيط من الضابط الإيراني ساردار عمار، الذي يعمل تحت إمرة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، ووفق البيان نشرته القناة الإسرائيلية السابعة، أشرف “عمار” على شبكة من العملاء الأجانب المستأجرين، نفذت عملياتهم بسرية تامة عبر قنوات اتصال مشفرة، فيما وصفت هذه الإستراتيجية داخل أروقة الموساد بأنها “إرهاب بلا بصمات إيرانية”.
هذه العبارة التي اختارها الموساد بعناية، لم تكن مجرد توصيف أمني، بل إشارة إلى محاولة طهران الحفاظ على الإنكار الرسمي، مع تنفيذ أعمال انتقامية تحمل الطابع الاستخباراتي، دون ترك أثر يمكن تتبعه.
من أثينا إلى ملبورن.. خيوط تتكشف عبر القارات
خلال العامين الماضيين، شهدت عدة عواصم غربية نشاطات مريبة تم الكشف عنها تباعًا، ربطتها أجهزة الأمن بالمخطط الإيراني ذاته، في اليونان، أعلنت الشرطة عام 2024 عن اعتقال مجموعة من الإيرانيين والأفغان بتهمة تنفيذ هجمات حرق استهدفت فندقًا مملوكًا لإسرائيليين وكنيسًا في أثينا، بينما سبق أن وجهت السلطات اليونانية عام 2023 اتهامات لباكستانيين اثنين بالتورط في مخطط مماثل، وفقًا لـ صحيفة "جيروسالم بوست" الإسرائيلية.
أما في أستراليا، فقد وصلت الأزمة إلى مستويات دبلوماسية غير مسبوقة، بعدما كشفت الاستخبارات المحلية عن محاولات لاستهداف مواقع يهودية في ملبورن وسيدني، وعلى إثر تلك التطورات، أعلنت كانبرا طرد السفير الإيراني أحمد صادقي في أغسطس الماضي، مع نيتها إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية.
وفي ألمانيا، تصاعد التوتر مع برلين بعد اعتقال مواطن دنماركي بتهمة مراقبة مواقع يهودية لصالح الاستخبارات الإيرانية، ما دفع الخارجية الألمانية إلى استدعاء السفير الإيراني وتوجيه تحذيرات شديدة اللهجة، بحسب صحيفة "جيروسالم بوست" الإسرائيلية.
تداعيات دبلوماسية.. وضغط متزايد على طهران
الكشف عن هذه الشبكة لم يقتصر على البعد الأمني فقط، بل حمل انعكاسات دبلوماسية متسارعة، إذ وجدت إيران نفسها أمام سلسلة من الإجراءات الغربية العقابية، صحيفة "جيروسالم بوست" تحدثت عن أزمة دبلوماسية “آخذة في التمدد”، بين طهران وعدد من الدول الأوروبية، وسط تصاعد الدعوات لتشديد الرقابة على أنشطة السفارات الإيرانية في الغرب.
ويرى مراقبون وفقًا للصحيفة العبرية، أن الخطوة الأسترالية بطرد السفير الإيراني قد تكون مقدمة لتحركات مشابهة في دول أخرى، ما يضع النظام الإيراني أمام عزلة متزايدة، خصوصًا مع تواتر المعلومات حول استخدامه شبكات إجرامية لتنفيذ عمليات انتقامية ضد إسرائيل بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات عسكرية في الحرس الثوري.
إسرائيل تستثمر الحدث سياسيًا واستخباريًا
بالنسبة لإسرائيل، يأتي هذا الكشف في لحظة حرجة، تسعى فيها الحكومة إلى تعزيز صورتها الأمنية بعد أشهر من الاضطرابات الداخلية، ويرى محللون أن الموساد اختار توقيت الإعلان بعناية، ليُظهر أن تل أبيب لا تزال تمسك بزمام المبادرة في حربها غير المعلنة مع إيران، كما يُعتقد أن نشر هذه التفاصيل هدفه توجيه رسالة ردع مزدوجة، الأولى لطهران بأن “الأذرع الأمنية الإسرائيلية تلاحقها أينما كانت”، والثانية لحلفاء إسرائيل في الغرب بضرورة توحيد الموقف ضد الحرس الثوري.
في المقابل، تواصل طهران إنكارها، معتبرة أن هذه الاتهامات “جزء من حملة سياسية لتشويه سمعتها”، بينما تلمّح إلى أن إسرائيل “تسعى لتبرير عملياتها السرية” ضد أهداف إيرانية في الخارج.