رحلة القطع الأثرية إلى المتحف المصري الكبير.. من قلب الصعيد إلى بوابة الحضارة
يقف المتحف المصري الكبير كأضخم صرح ثقافي في العالم مخصص لحضارة واحدة، يجمع في قلبه آلاف القطع الأثرية التي تحكي قصة مصر عبر العصور، لكن وراء هذا الافتتاح المرتقب يوم 1 نوفمبر، تقف رحلة طويلة من العمل الدقيق والشاق، كان من أبرز فصولها نقل القطع الأثرية الثقيلة والنادرة من محافظات مصر المختلفة، خاصة من صعيد مصر، إلى صالات العرض بالمتحف الكبير، في واحدة من أعقد عمليات النقل الأثري في التاريخ الحديث.
شكل نقل الآثار منذ انطلاق مشروع المتحف، تحديًا علميًا ولوجستيًا كبيرًا، خاصة أن بعض القطع كانت ضخمة الحجم أو هشة البنية، ما تطلب تخطيطًا دقيقًا من فرق متخصصة من وزارة السياحة والآثار وهيئة الآثار المصرية، بالتعاون مع شركة المقاولون العرب وخبراء الترميم والنقل الثقيل.

قطع أثرية تحدت المسافات
من بين أبرز القطع التي واجهت صعوبات بالغة أثناء نقلها، عمودان من الجرانيت الوردي للملك رمسيس الثاني، تم نقلهما من إحدى المناطق الأثرية إلى المتحف الكبير، ويبلغ طول كل منهما نحو 6 أمتار، ووزنه 13 طنًا.
كما نُقلت أجزاء من مسلة رمسيس الثاني من منطقة صان الحجر بمحافظة الشرقية، وهي من القطع التي استلزمت "تجربة أداء" قبل عملية النقل الفعلية، نظرًا لوجود ثقوب وتشققات طفيفة بها، ما جعل الخبراء يجرون اختبارات محاكاة لضمان سلامتها.

تمثال رمسيس الثاني
واحدة من أبرز وأصعب عمليات النقل في تاريخ الآثار المصرية كانت نقل تمثال الملك رمسيس الثاني، الذي يبلغ وزنه نحو 83 طنًا، وطوله أكثر من 11 مترًا.
اكتُشف التمثال في موقع ميت رهينة بالجيزة عام 1820، ونُقل عام 1955 إلى ميدان رمسيس بوسط القاهرة، حيث ظل هناك أكثر من نصف قرن.
لكن مع انطلاق مشروع المتحف المصري الكبير، قررت الدولة إعادة نقل التمثال ليكون أيقونة المدخل الرئيسي للمتحف.
جرى تنفيذ العملية في أغسطس 2006 بمعايير هندسية غير مسبوقة، تضمنت رفع التمثال على مركبة ضخمة مزودة بأنظمة هيدروليكية لتقليل الاهتزازات، واستغرقت الرحلة عدة ساعات عبر طريق خصصته وزارة الداخلية، بمشاركة أكثر من 500 مهندس وفني، اليوم يقف التمثال شامخًا في بهو المتحف الكبير، كتحية ملكية تستقبل زوار الحضارة المصرية.
مركب خوفو الثانية
أما عملية نقل مركب خوفو الثانية من منطقة الأهرامات إلى المتحف المصري الكبير، فقد وُصفت بأنها "عملية القرن الأثرية"، نظرًا لدقتها الفائقة وتعقيدها الهندسي، اكتُشفت أجزاؤها داخل حفرة إلى جوار الهرم الأكبر، ويُعتقد أنها صُنعت قبل أكثر من 4600 عام.
تضم نحو 1272 قطعة خشبية كانت مكدسة في حُجرة مغلقة تحت الأرض، جرى استخراجها وترميمها بعناية على مدار أكثر من عقدين، بالتعاون بين البعثة المصرية واليابانية.
في أغسطس 2021، تم نقل 1240 قطعة داخل حاوية معدنية ذكية وزنها 42 طنًا، ومثبتة على مركبة ضخمة ذات تحكم إلكتروني في الارتفاع والتوازن، سارت بسرعة لا تتجاوز 2 كم/ساعة لمسافة 8 كيلومترات من الهرم إلى المتحف، اليوم تُعرض أجزاء المركب داخل قاعة مخصصة في المتحف الكبير، تُعد من أكثر مناطق العرض انتظارًا لعشاق الآثار.

كنوز توت عنخ آمون
لم تكن الصعوبة دائمًا في الوزن، بل أحيانًا في القيمة التاريخية والدقة الفنية، فقد بدأت عملية نقل مقتنيات الملك توت عنخ آمون من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف الكبير منذ عام 2014، وشملت أكثر من ٥٣٤٠ قطعة أثرية من كنوز المقبرة الملكية، من بينها القناع الذهبي الشهير، والعجلات الحربية، والمجوهرات، والأسِرّة، والصناديق الملكية.
تم النقل على مراحل دقيقة استمرت لسنوات، خضعت فيها كل قطعة لعمليات ترميم وفحص بالليزر، وتصوير ثلاثي الأبعاد، ثم تغليف خاص وفق معايير المتاحف العالمية.
ووصلت القطع إلى المتحف الكبير بحالة ممتازة دون أي تلف، ليتم عرضها لأول مرة مجتمعة داخل قاعة الملك توت عنخ آمون التي تمتد على مساحة ٧,٥ آلاف متر مربع.
هذه القاعة ستمنح الزائر تجربة غامرة في عالم الملك الصغير الذي غيّر تاريخ علم الآثار منذ اكتشاف مقبرته عام 1922.
وفي رحلة أخرى من أعماق الصعيد، وصلت إلى المتحف قطع أثرية ضخمة من مخزن البهنسا بمحافظة المنيا، بلغ عددها 71 قطعة، من بينها تابوت حجري ضخم من الحجر الجيري يُعرف بتابوت نِس بطاح (Nes Ptah)، يزن نحو 5 أطنان ويتكون من جزأين.
احتاج نقله إلى تجهيزات خاصة وتغطية كاملة، مع متابعة مستمرة من خبراء الترميم أثناء التحميل والتنزيل لضمان سلامة النقوش الأصلية.
طريق محفوف بالدقة
لم تقتصر الصعوبات على الوزن أو المسافة فقط، بل شملت الظروف البيئية والطرق الجبلية الوعرة في بعض المناطق الجنوبية، مما استدعى وضع خطط نقل متكاملة بالتعاون مع أجهزة الأمن والمحليات، وتخصيص سيارات نقل أثرية مجهزة بأنظمة تثبيت وامتصاص للصدمات.
فإن عمليات النقل الكبرى من صعيد مصر شملت قطعًا من المنيا والأقصر وأسوان، وجرى تسجيلها وفحصها باستخدام تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد قبل الشحن، إلى جانب إعداد تقارير حالة تفصيلية لكل قطعة.