رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق   كاتب
عمرو فاروق كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية

منذ أكثر من نصف قرن، لا تزال حرب أكتوبر 1973 حاضرة في الذاكرة الجمعية لكل من القاهرة وتل أبيب، ليس فقط بوصفها مواجهة عسكرية حاسمة، بل بوصفها حدثًا تأسيسيًا أعاد تعريف الوعي الوطني، فتضعه مصر كرمز للانتصار واستعادة الكرامة، بينما تراه إسرائيل كصدمة وجودية هزّت أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر".

عمليًا المعركة لم تنتهِ بانتهاء القتال على الجبهة، وإنما انتقلت إلى شاشات السينما  والدراما التلفزيونية، إذ خاض الطرفان حربًا على الوعي والذاكرة والسرد على مدار أكثر من 50 عامًا.

الذاكرة الوطنية 

منذ اللحظة الأولى لانتهاء الحرب، أدركت السينما المصرية أن معركة أكتوبر لا ينبغي أن تُختزل في الميدان، بل يجب أن تتحول إلى ذاكرة بصرية تحفظ الانتصار للأجيال القادمة، فبينما كانت الجراح لا تزال مفتوحة بعد نكسة 1967، جاءت أفلام ما بعد العبور لتعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتبنى جدار الثقة تجاه الشخصية الوطنية المصرية.

بدأت الملحمة بفيلم "الوفاء العظيم" (1974) للمخرج حلمي رفلة، الذي ربط بين البطولة في الميدان والوفاء في الحياة اليومية، ليقول إن النصر كان إنسانيًا بقدر ما كان عسكريًا،  وكذلك جاء فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" من تأليف إحسان عبد القدوس، وبطولة محمود ياسين وميرفت أمين، ليجسّد الصراع النفسي للمقاتل المصري بين الهزيمة والانتصار،  في واحدة من أهم الوثائق السينمائية التي ربطت الفرد بالوطن.

أما فيلم "أبناء الصمت" (1974) للمخرج محمد راضي، فقد نقل المعركة من زاوية الجندي الميداني، مقدّمًا صورة حقيقية للبطولة التي تُمارس في صمت داخل الخنادق، حيث لا مكان للشعارات، بل للتضحية والفداء. وفي "العمر لحظة" (1978)، نرى الحرب من زاوية الصحفية المصرية التي تتحدى الخوف لتوثيق الحقيقة. 

لا شك في أن السينما المصرية تحولت إلى أرشيف وطني بصري، لا يسرد وقائع الحرب فقط، وإنما يرسم ملامح الشخصية المصرية في لحظة استثنائية جمعت بين التضحية والإصرار والإيمان.

حرب العقول

مع تطور الإنتاج التلفزيوني في الثمانينيات والتسعينيات، تحوّلت الدراما إلى مساحة جديدة لتوثيق الحرب، ولكن عبر زاوية "حرب العقول" والدور الاستخباراتي، فبينما ركّزت السينما على المعارك التقليدية، كشفت الدراما التلفزيونية عن الصراع الخفي بين المخابرات المصرية وجهاز الموساد الإسرائيلي، ملقية الضوء على أبطال الظل الذين خاضوا معاركهم خلف خطوط العدو.

فتم إنتاج مسلسل "رأفت الهجان" الذي جسده الفنان الراحل محمود عبد العزيز، ومثل علامة فارقة في الدراما المصرية والعربية، حيث نقل قصة الجاسوس المصري الذي عاش في قلب إسرائيل، مخترقًا مؤسساتها الأمنية والاقتصادية، ليجعل من البطولات الاستخباراتية جزءًا من الوجدان الشعبي، كذلك قدّم مسلسل "دموع في عيون وقحة" بطولة عادل إمام، صورة أخرى من بطولات رجال المخابرات، مؤكدًا أن النصر لا يُصنع فقط بالبندقية، بل بالمعلومة والدهاء والصبر، وفي مسلسل "الحفار" (1983) للكاتب محسن زايد، عُولجت قصة تدمير الحفار الإسرائيلي الذي كان يستعد للتنقيب في خليج السويس، لتتحول العملية إلى رمز في سجل الإرادة المصرية، ثم جاء مسلسل "الثعلب" (1993) ليروي قصة جديدة من صراع العقول، تلاه "العميل 1001" (2005)، أما مسلسل "حرب الجواسيس" (2009) فقد أعاد للأذهان أجواء السبعينيات، كاشفًا عن اختراق شبكات الموساد في مصر، وموضحًا قدرة الدولة المصرية على المواجهة المستمرة في معركة الوعي والمعلومات.

وفي فيلم "الطريق إلى إيلات" (1993)، الذي أخرجته إنعام محمد علي، بلغت الدراما التلفزيونية ذروة التوثيق الفني، إذ رُويت عملية القوات البحرية المصرية ضد ميناء إيلات بلغة درامية دقيقة ومؤثرة، جمعت بين الصدق التاريخي والعاطفة الوطنية. كما أعاد فيلم "حائط البطولات" (2002) تسليط الضوء على بطولات سلاح الدفاع الجوي، مؤكدًا أن كل فروع القوات المسلحة لعبت دورًا فاعلًا في كتابة تاريخ النصر الحديث.

  معركة الوعي

بعد عام 2013، شهدت الساحة الفنية المصرية تحولًا استراتيجيًا في مفهوم الدراما الوطنية، واستعادت السينما والدراما روح أكتوبر لتربط بين الماضي المجيد والحاضر في إطار "معركة الوعي" ضد الإرهاب والتطرف وحروب الجيل الرابع والخامس.

فتم إنتاج فيلم "الممر" (2019) للمخرج شريف عرفة ليقدّم ملحمة بطولية عن الصمود والعقيدة القتالية المصرية، رابطًا بين نكسة 1967 ولحظة العبور، ومؤكدًا أن روح الجندي المصري لا تنكسر، وكذلك   فيلم "السرب"، الذي تناول الضربات الجوية المصرية ضد تنظيم داعش في ليبيا، والذي وسّع مفهوم الدفاع الوطني ليشمل حماية الأمن القومي خارج الحدود والاستراتيجيات المتعددة، ثم جاءت سلسلة "الاختيار" التي جمعت بين الدراما والتوثيق، مقدّمةً دور أبطال القوات المسلحة والشرطة في مواجهة الإرهاب، لتجعل من "الوعي الوطني" خط الدفاع الأول عن الدولة.

بهذه الأعمال، استعادت الدراما المصرية رسالتها التنويرية في وقت تشتد فيه معارك التضليل والتزييف، فأصبحت شاشة التلفزيون جبهة موازية للمعركة العسكرية، تحمل رسالة مفادها أن "الوطن لا يُحرس بالسلاح فقط، بل بالوعي كذلك".

 الهوية الوطنية

في السياق المصري، لم تكن الدراما مجرد ترفيه أو توثيق، بل أداة لبناء الهوية الوطنية والفكرية والثقافية، فمن خلال أعمال أكتوبر، تَكوَّن وعي أجيال كاملة بأن البطولة ليست حكرًا على جيل بعينه، وإنما قيمة تتجدد كلما واجهت الأمة تحديًا جديدًا.

محاكمة الذات

على الجانب الآخر، مثّلت حرب أكتوبر لإسرائيل أقسى صدمة في تاريخها الحديث، إذ انهارت أمامها صورة الجيش الذي لا يُقهر، وقد انعكس هذا الانكسار في السينما الإسرائيلية التي انتقلت من تمجيد البطولة إلى محاكمة الذات والاعتراف بالهشاشة.

فجاء فيلم "كيبور" (2000) للمخرج عاموس جيتاي، الذي يُعد من أبرز النماذج على هذا التحول، إذ صوّر الجنود الإسرائيليين تائهين في الفوضى والدمار، بعيدين عن أي مجد بطولي، ثم جاء فيلم "أبواق الصمت" (2003) ليقدّم نقدًا مريرًا للقيادة السياسية والعسكرية، كاشفًا الغطرسة التي قادت إلى الهزيمة.

أما فيلم "جولدا" (2023) فقدّم صورة لرئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير كرمز لانهيار القيادة، لا لصمودها، بينما ركز فيلم "الرصيف" (2023) على اليأس والخوف داخل صفوف الجنود، في سردية تمزج بين الاعتراف بالفشل والبحث عن التبرير، فضلًا عن محاولة تمرير الرواية الإسرائيلية، وقلب الحقائق في رسائل غير مباشرة.

وفي الدراما التلفزيونية، جاء مسلسل "ساعة الإغلاق" (2020) ليعيد فتح ملف الحرب بأسلوب يحمل القيادات الإسرائيلية مسؤولية المفاجأة المصرية والسورية، ليصبح الفن هنا أداة للتكفير عن الصدمة أكثر منه للاحتفاء بالماضي.

مرآة الحرب  

تكشف المقارنة بين الدراما في القاهرة وتل أبيب عن مفارقة جوهرية، حول "بناء الوعي العام"، إذ تحولت الدراما إلى مرآة للعقل الجمعي، فتعكس في مصر الثقة والانتصار وتخليد لحظة النهوض الوطني، وفي إسرائيل تعكس استدعاء الحرب كجرح مفتوح لمحاولة ترميم سمعة "العسكرية الإسرائيلية"، ومواجهة عقدة الهزيمة عبر النقد الذاتي.

ستبقى حرب أكتوبر حدثًا لم ينتهِ بعد، إذ تتجدد مع كل عمل فني يعيد فتح الذاكرة، ليؤكد أن الوعي هو الجبهة الأخيرة التي تحدد من ينتصر في التاريخ.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء