أرقام تكشف الحقيقة.. كيف تخطط الحكومة للهروب من دوامة الدين العام؟
تحتل قضية الدين العام في مصر أولوية قصوى لدى الحكومة وخبراء الاقتصاد، في ظل تصاعد الأعباء التمويلية وتزايد الالتزامات الخارجية وسط تقلبات الاقتصاد العالمي منذ جائحة كورونا، مرورًا بالأزمة الروسية الأوكرانية التي أدت إلى موجة تضخم عالمية وارتفاع أسعار الفائدة وتراجع قيمة الجنيه المصري، ما انعكس على زيادة حجم الدين العام ومخاطره.
أرقام تكشف الواقع الحقيقي
تشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي الدين العام في مصر خلال العام المالي 2024/2025 بلغ نحو 92% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستهدف الحكومة خفضه إلى 82.9% في موازنة 2025/2026، ضمن خطة لإعادة هيكلة الدين وتحسين إدارة الموارد.
أما الدين الخارجي فقد سجل نحو 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، بزيادة قدرها 5.4% عن العام السابق، ما يعكس استمرار اعتماد الدولة على التمويل الخارجي لتغطية احتياجاتها من النقد الأجنبي وتمويل العجز.
الفوائد تلتهم نصف الإنفاق
يرى الدكتور محمد راشد، أستاذ الاقتصاد بجامعة بني سويف، أن الجزء الأكبر من الدين لا يزال محليًا، لكن ارتفاع أسعار الفائدة بعد قرارات البنك المركزي المتتالية لمواجهة التضخم أدى إلى زيادة تكلفة خدمة الدين، موضحًا أن فوائد وأقساط الدين تلتهم نحو نصف الإنفاق الحكومي، وهو ما يقلص مساحة الإنفاق على قطاعات التنمية والخدمات العامة.
وقال راشد في تصريح خاص لـ"إيجيبتك" إن الحكومة وضعت خطة متكاملة لإدارة الدين العام تستهدف خفض نسبته إلى الناتج المحلي تدريجيًا حتى 80% بحلول عام 2027، مقارنة بمستويات تقترب من 90% في 2024، مشيرًا إلى أن الخطة تعتمد على ضبط الإنفاق، وتحسين تحصيل الإيرادات، وتوسيع القاعدة الضريبية، وزيادة الاعتماد على التمويل المحلي متوسط وطويل الأجل مع الحفاظ على معدلات نمو مستقرة.
وأضاف أن وضع الدين العام في مصر ما زال قابلاً للإدارة والسيطرة، بشرط استمرار تنفيذ الإصلاحات المالية والهيكلية المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتقليص دور الشركات الحكومية في النشاط الاقتصادي.
وأكد أن نجاح مصر في جذب استثمارات أجنبية مباشرة جديدة وتحسين مناخ الأعمال سيكونان عاملين حاسمين في تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي وتحقيق توازن مالي مستدام على المدى المتوسط.
خطة إصلاحية للاستقرار المالي
تسعى مصر لمواجهة أحد أكثر التحديات الاقتصادية تعقيدًا في تاريخها الحديث، والمتمثل في السيطرة على الدين العام، عبر خطة إصلاحية شاملة تهدف إلى تحقيق الاستقرار المالي واستعادة الثقة الدولية.
فمنذ أزمة الديون في سبعينيات القرن الماضي، التي دفعت القاهرة إلى إعادة جدولة أكثر من 20 مليار دولار في الثمانينيات، مرورًا ببرنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 الذي خفّض الدين بنسبة 15% من الناتج المحلي خلال ثلاث سنوات، ظل الدين العام يمثل عبئًا ثقيلاً على الاقتصاد.
اليوم، ومع استقرار الدين الخارجي عند 156.7 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025، وتراجع إيرادات قناة السويس بنسبة 45.5% لتصل إلى 3.6 مليار دولار في 2024/2025، تبرز خطة الحكومة لإدارة الدين كأداة رئيسية لضمان الاستقرار المالي ودعم النمو.
إصلاح هيكلي لتحويل الدين إلى رافعة للنمو
قال الباحث الاقتصادي محمود جمال سعيد، إن الإصلاح الهيكلي لم يعد خيارًا بل ضرورة لتحويل الدين من عبء إلى رافعة للنمو، مشيرًا إلى أن خطة مصر تعتمد على برنامج يمتد لـ46 شهرًا مع صندوق النقد الدولي، أقر في ديسمبر 2022 بقيمة 8 مليارات دولار، وشهد صرف 1.2 مليار دولار إضافي في مارس 2025 بعد المراجعة الرابعة.
وأوضح سعيد لـ"إيجيبتك" أن الخطة تستهدف خفض الدين العام إلى 79.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2028/2029، مع الالتزام بسقف أقصى يبلغ 90% في موازنة 2025/2026.
وأشار إلى أن تجربة 2016، التي خفضت الدين من 96% إلى 81%، تؤكد أهمية تحقيق التوازن بين الاقتراض والإنفاق الإنتاجي بما يعزز الثقة الدولية ويخفض تكاليف التمويل بنسبة تتراوح بين 2 و3% سنويًا.
أولويات الإنفاق وإدارة الدين
أكد سعيد أن إصلاح هيكل المصروفات العامة يمثل أولوية قصوى، كما شدد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اجتماع يوليو 2025، حيث يجري توجيه الإنفاق نحو الاستثمارات الإنتاجية بدلًا من النفقات الاستهلاكية.
وأشار إلى أن نسبة الدين الحالية متوقع أن تبلغ 87% من الناتج المحلي بنهاية العام المالي الجاري، مدعومة بصفقات تمويلية جديدة مع شركاء دوليين، أبرزهم الاتحاد الأوروبي.
ولفت إلى أن النهج الحالي يعكس دروس أزمة الثمانينيات، حين أدت إعادة الجدولة وقتها إلى نمو اقتصادي بنسبة 5% سنويًا، مؤكدًا ضرورة ضبط وتيرة الاقتراض الخارجي للحفاظ على الاحتياطي النقدي البالغ 49.5 مليار دولار في سبتمبر 2025.
حوكمة الاقتراض وتقليل الديون قصيرة الأجل
أضاف سعيد، مستشهدًا بتصريحات وزير المالية أحمد كجوك، أن خفض الدين وتحسين مؤشراته أصبح هدفًا قوميًا، موضحًا أن الاستراتيجية الجديدة لإدارة الدين المقرر إعلانها في ديسمبر 2025 ستتضمن حوكمة أكثر صرامة لعمليات الاقتراض وتقليل الاعتماد على الديون قصيرة الأجل التي تشكل حاليًا نحو 18% من إجمالي الدين الخارجي.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات، مع توقعات صندوق النقد الدولي بتحقيق نمو اقتصادي 4.5% في 2025، ستسهم في خفض خدمة الدين من 25% إلى أقل من 20% من الإيرادات العامة بحلول 2027، ما يحول الضغط المالي إلى فرص استثمارية في البنية التحتية.
شراكات دولية وتمويل أخضر
وشدد الباحث على أن الخطة لا تقتصر على الاقتصاد الكلي، بل تمتد إلى تعزيز الشراكات الدولية، موضحًا أن استراتيجية الاستثمار الأجنبي 2025–2030 تهدف إلى جذب 50 مليار دولار إضافية، مع التركيز على التمويل الأخضر الذي بلغ 2 مليار دولار في 2025.
وأضاف أن ارتفاع الدين الخارجي بنسبة 10% في 2024 نتيجة التوترات الإقليمية ما زال يُدار ضمن حدود آمنة بفضل تنويع أدوات التمويل.
وأشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في ارتفاع خدمة الدين الخارجي إلى 40 مليار دولار في 2025، مما يتطلب تعزيز الإيرادات غير النفطية التي بلغت 60% من إجمالي الإيرادات العامة.
ولفت إلى أن الحكومة — من خلال السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية المعلنة في سبتمبر الماضي — تسعى إلى تقليص دور الدولة لصالح القطاع الخاص، بهدف خفض العجز المالي إلى 7.3% من الناتج المحلي على غرار التجارب الآسيوية الناجحة في التسعينيات.
رؤية نحو اقتصاد مرن
واختتم سعيد حديثه قائلًا إن خطة مصر ليست مجرد أرقام، بل رؤية لاقتصاد مرن يتجاوز 4.5% نموًا في 2025، مدعومة بجهود حكومية تجمع بين الشفافية والشراكات، محولة التحديات التاريخية إلى فرص للازدهار المستدام، حيث يصبح الدين جسرًا لا عبئًا.