«رقم ناقص من الوجود».. قصة قصيرة للكاتبة الأردنية تبارك الياسين
اختصت الكاتبة والفنانة التشكيلية الأردنية تبارك الياسين موقع «إيجبتك» بقصة قصيرة تحت عنوان "رقم ناقص من الوجود" من مشروعها الأدبي الجديد الذي تعمل عليه في الوقت الحالي، ولم يصدر للنور.
قصة “رقم ناقص من الوجود”
لم يكفّ الهاتف عن الرنين. رفعت السماعة أخيرًا، وصوتها واهنٌ كأنّه خرج من ليلٍ طويلٍ بلا نجوم: ــ ألو؟ قال بصوتٍ متقطّع، كأنه يحفر في صمته ليجد نفسه: ــ لا تُغلقي الخط، أرجوكِ... اسمعيني للمرة الأخيرة. أعرف أني جرحتكِ بالأمس، لكنني أنا من نزف كلّ هذه الدماء. صمتكِ المميت يقتلني، لماذا لم تصرخي؟ لم تبكي؟ هل جفّت أنهار روحكِ؟ هل سرق الحزن صوتكِ؟ كنتِ ملجئي الأخير، مأواي من هذا العالم المتداعي. قلبكِ الذي حملني برفق، رميتِه في وجهي كخرقةٍ بالية. هل انتهى كلّ الحبّ الذي جمعنا؟ أم أنّ الحبّ لا ينتهي بل يتحوّل إلى وجعٍ خفيٍّ يتنفس بين ضلوعنا؟ أتذكرين حين نزعتِ عني طوق الموت وأعدتِني إلى الحياة؟ كنتِ رحمًا جديدًا وُلدتُ منه من العدم. لكنني كنتُ جبانًا، أهرب من المواجهة، من نفسي، ومنكِ. أخطأتُ... كانت نزوةً عابرة، محاولةً فاشلة للهروب من موتي الداخلي. لم أرَ فيها إلا ظلكِ... كنتِ تلاحقينني حتى في الخيانة. قاسٍ كنتُ حين حملتكِ ذنب موت أبي. لم تكوني السبب، لكنني كنتُ أبحث عن أحدٍ أُسقط عليه خوفي من الفقد. كنتِ الأمان الوحيد، فحوّلتكِ إلى مرآةٍ لعُريي وضعفي. وحين أغلقتِ الباب في وجهي، لم أجد سوى امرأةٍ أخرى فتحت لي بابها على مصراعيه.
كنتُ خائفًا، يتيمًا، أبحث عن يدٍ تشبه يدكِ. احتضنتني، لكنني كنتُ أحمل موتي على كتفي، فأفرغتُه فيها، وأفرغتُكِ منها. وفي ذروة الشهوة رأيتُ عينيكِ تحدّقان بي من العتمة. صرختُ باسمكِ كمن يحاول أن ينجو بالغرق. ثم سقط كلّ شيء. طردتني من بيتها، وتركتني عاريًا من أيّ معنى. كان عليّ أن أقول لكِ هذا قبل أن تسمعيه من أفواه الآخرين. هل يمكن أن تُغفر الخيانة إذا كانت محاولةً للنجاة؟ هل يُدان العاشق لأنه حاول أن يتذكّرك في جسدٍ غريب؟ أحبكِ... هل تسمعينني؟ أحبكِ رغم كلّ ما تهدّم فيّ ومنّي. على الطرف الآخر، كانت تشهق بالبكاء، كأنها تختنق بأنفاسها، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ مرتجف: ــ لقد اتصلتَ برقمٍ خاطئ... أنا لستُ هي.
صمتٌ مطبق. ثم انقطع الخطّ، كأنّ العالم كله توقف لحظةَ الفقد. نظرت إلى الهاتف المطفأ، الذي كان قبل قليل يعجّ بالحياة. من هذا الرجل الغريب؟ كيف أخطأ رقم حبيبته؟ هل غيّرت رقمها هروبًا منه؟ هل كانت الـ(9) بدل الـ(6) كفيلة بأن تغيّر مصيرًا بأكمله؟ أومضت شاشة هاتفها برسالةٍ قصيرة: "أعتذر منكِ، وأشكركِ لأنكِ استمعتِ لي... كنتُ بحاجة لأن أُثرثر لغريب." قرأت الجملة مرارًا. "أشكركِ"... كم مرّ زمنٌ منذ شكرها أحد؟ نظرت إلى غرفتها التي صارت زنزانتها الطوعية. جدرانها تحفظ صدى صراخٍ لم يُسمع، وأحلامًا سقطت كقطع الزجاج. رمت جسدها على السرير، تحدّق في المروحة المتداعية. كم مرة تخيّلت سقوطها فوقها؟ كم مرة رأت نفسها تتفتت، ووالدتها تنظّف الجدار من دمها وقطع لحمها؟ تمتمت كمن يعتذر للقدر: ما كان عليّ أن أهب قلبي لرجلٍ لا يستحق، ولا أن أُسلم نفسي لأول طارقٍ باسم الزواج. لم يمضِ على زواجها شهران، ثم عادت محمّلةً بالكدمات، تحمل على جسدها لون البنفسج، وعلى قلبها لون الرماد. لم تعد كما كانت، ولم يعد أحد كما كان.
صار وجهها مرآةً للخطيئة، وصارت نظراتهم سياطًا من العار. في تلك اللحظة، أدركت أن الحياة كلّها قد تكون رقمًا خاطئًا... رقمًا ناقصًا من معادلة الوجود. نضغطه بيدٍ مرتجفة فنفتح بابًا على مصيرٍ آخر، ونظنّ أننا نتصل بالحبّ، لكننا في الحقيقة، نُعيد الاتصال بأنفسنا التي فقدناها منذ زمنٍ بعيد. تنهدت بعمق، أمسكت الهاتف ، وضغطت أرقامًا لا تعرفها. ــ ألو؟ ــ لا تُغلق الخط، أرجوك... اسمعني للمرة الأخيرة.
منتجها الإبداعي
صدر للكاتبة تبارك الياسين، العديد من الأعمال الأدبية، منها" هواء مر في رئتي “ عن دار العين للنشر والتوزيع، ” للموت اسنان صفراء" مجموعة قصصية دار جفرا ناشرون وموزعون، و رواية “ليلة البلسمك” عن بيت الياسمين للنشر ، رواية “بن يقظان يتصفح جوجل”، و رواية" للفتيان" عن دار ابن رشيق للنشر، و رواية “عفن أحمر” عن دار الأهلية للنشر.
أقمت العديد من المعارض التشكيلية معارض فنية معرض فني اول بالرياض2013 معرض شخصي ثاني في عمان في قاعة مهنا الدرة 2015 معارض مشتركة بين جدة والرياض في بيت التشكيلين.