رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التكنولوجيا والحرب على الحقيقة!

الدكتور محمد عزام
الدكتور محمد عزام

يبدو أن الحقيقة دائماً مزعجة للبعض أو الأكثر من البعض بقليل، فالحقيقة في أغلب الأحوال تكون صادمة، لذا فهي غير مرغوب فيها.


في عالمنا المعاصر، وفي ظل وجود أكثر من 5 مليارات نسمة على شبكات التواصل الاجتماعي، وما نراه من فيضان معلوماتي لحظي من خلال تلك الشبكات، نحن أمام ظاهرة فريدة من الإنتاج المعرفي لم تحدث منذ بدء الخليقة.  فكل دقيقة على شبكة الانترنت يقوم البشر بنشر 350 ألف تغريدة على موقع إكس (توتير سابقاً)، ويشاهدون 625 مليون فيديو قصير على منصة التيك توك، ويتم بث 452 ألف ساعة محتوي على نتفليكس، وإنشاء 3.5 مليار محادثة سناب شات، ومشاركة 66 ألف صورة وفيديو على إنستجرام، وإجراء 6.3 مليون عميلة بحث على جوجل. وهذا كله في دقيقة واحدة، أي 60 ثانية، فما بالك ما هو حجم المعلومات الذي يتم نشره واستهلاكه على الشبكة العنكبوتية في يوم أو في شهر أو في سنة. 


بلا شك فيضان معلوماتي بل انفجار معلوماتي أدى إلى وجود بيئة خصبة لنشر أي معلومات، دون تدقيق وبدون وجود لمرجعية وبدون محددات أو آلية تسمح للبشر لتميز ما هو حقيقي وما هو محض هراء!


ومن هنا تسألت، هل التكنولوجيا هي السبب في هذا العبث الذي نراه كل يوم على منصات التواصل الاجتماعي؟ أم هي مجرد أداة في يد من يريد الحرب على الحقيقة؟ بالقطع نحن نظلم التكنولوجيا لأنها ليست إلا وسيلة في أيدي الجميع، سواء الشرير منهم والذي يتلاعب بها لطمس أو تزوير الحقيقة، أو الطيب، وفي الكثير من الأحيان، الساذج الذي يصدق أي شيء بدون إعمال أهم ما وهبه الله سبحانه وتعالي للبشر وهو العقل!


فمنذ أكثر من ثمانين عاماً، كان هناك بول جوزيف جوبلز، هذه الشخصية الجدلية التي أثرت في تاريخ ألمانيا، في النصف الأول من القرن الماضي، وبل في تاريخ ومصير العالم أجمع، هذا التأثير الذي أدي لمأساة كبري للبشرية وفقدان عشرات الملايين لحياتهم، وتدمير أجزاء كثيرة من العالم بالكامل، نتيجة للحرب العالمية الثانية. ولمن لا يعرف من هو جوبلز، فهو من مواليد 29 أكتوبر 1897، وحصل على درجة الدكتوراة من جامعة هايدلبرج في عام 1921. ومن ثم انضم إلى الحزب النازي الألماني في عام 1924، وكان المسؤول الأول عن الدعاية بالحزب حتى وصوله للحكم، ثم وزيراً للدعاية بالرايخ الثالث من عام 1933 إلى عام 1945. 
وكان جوبلز أحد أقرب أتباع أدولف هتلر وأكثرهم تفانيًا، ومعروفًا بمهاراته الفائقة في الخطابة العامة. وتم تعينه كمستشار لألمانيا خلفاً لهتلر، وذلك ليوم واحد فقط، من 30 أبريل 1945 وحتى 1 مايو 1945، بعد انتحار هتلر في مخبأه، عندما أيقين هتلر أن الحرب قد انتهت، واحلامه تحطمت للأبد، والهزيمة المخزية أصبحت واقعاً لا يمكن إنكاره. وهذا ما دفع جوبلز وزوجته "ماجدة جوبلز" أيضاً للانتحار في اليوم التالي، بعد أن قاما بقتل أطفالهما الستة بالسيانيد.


وكان جوبلز مدركاً لقيمة البروباجندا والدعاية الموجهة، الإيجابية والسلبية منها على حد سواء، لذا كانت البروباجندا من ضمن ترسانة أسلحة الحقبة الهتلرية، لنشر الفكر المتطرف والترويج للنازية وإنجازات الفوهرر. وعلى العموم فأن جوبلز لم يخترع مفهوم (البروباجندا)، التي ظهرت لأول مرة في القرن السابع عشر كوسيلة من الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الحين لمحاربة أفكار المذهب البروتسنتي، إلا أن جوبلز مازال أشهر شخص حتى الآن في التاريخ قام باستخدام البروباجندا لخدمة أغراض وأحلام النازية الجنونية. وقام جوبلز بتكييف التطورات التكنولوجية المتاحة في النصف الأول من القرن الماضي في مجال الإعلانات التجارية لاستخدامها في الدعاية السياسية، بما في ذلك استخدام الشعارات الجذابة والرسومات ذات الدلالة. وتضمنت أفكاره الجديدة لتصميم الملصقات الدعائية استخدام أحرف كبيرة باللون الأحمر اللافت للانتباه وعناوين مبهمة، بغرض تشجيع القارئ على فحص تلك النوعية من المطبوعات الفاخرة لتحديد المعنى والمغزى من الملصق. كما أسس جريدة على أساس حديث، تسمي Der Angriff أي "الهجوم"، في منتصف عام 1927، لاستخدامها كمنصة للهجوم على أعداء الأيديولوجية النازية سواء من اليهود أو الشيوعيين، وتأجيج المشاعر تجاههم، والدعوة لممارسة العنف العشوائي ضدهم، وكذلك كوسيلة للضغط الممنهج على كبار الشخصيات الألمانية الذين كانوا يمثلوا عائقاً ضد انتشار الفكر النازي، والتشهير بهم. كما أدرك جوبلز أهمية تكنولوجيا البث الإذاعي في توجيه الرأي العام في ألمانيا، فسيطر على محطات الراديو في جميع أنحاء ألمانيا ووضعها تحت هيئة الإذاعة الوطنية الألمانية. ولضمان الوصول إلى أكثر عدد من الناس قام بحث الشركات المصنعة لأجهزة الاستقبال على إنتاج أجهزة استقبال منزلية رخيصة الثمن، تسمى Volksempfänger (جهاز راديو الشعب).

 وبحلول عام 1938 تم بيع ما يقرب من عشرة ملايين جهاز راديو، كما تم وضع مكبرات الصوت في الأماكن العامة والمصانع والمدارس، بحيث يمكن سماع البرامج الخاصة بالحزب النازي على الهواء مباشرة من قبل جميع الألمان تقريبًا. وفي 2 سبتمبر 1939 (اليوم التالي لبدء الحرب)، جرم مجلس الوزراء الألماني الاستماع إلى المحطات الإذاعية الأجنبية، وغلظ عقوبة هذا الفعل لتصل للإعدام. كما استحوذت وزارة الدعاية في ألمانيا على مرافق البث الخاصة بالدول المحتلة فور الاستسلام، وبدأت في بث المواد الدعائية المعدة مسبقاً كوسيلة لكسب ثقة المواطنين الألمان أو مواطني الدول المحتلة، وكمصدر أساسي للمعلومات التي يريد النظام النازي نشرها داخلياً، أو خارجياً داخل البلاد التي أصبحت تحت حكم هتلر. وكذلك أدرك جوبلز أن الأفلام هي ثاني وسيلة لنشر الفكر النازي، بعد الراديو، لذا قام ببث الخطب في الراديو وعُرضت الأفلام الدعائية القصيرة باستخدام 1500 عربة أفلام متحركة.


ومع مرور الوقت، وفي ظل التحولات الجذرية التي يشهدها العالم الرقمي، لم تعد الحروب تُخاض فقط على الأرض، بل باتت تُدار عبر الشاشات والخوارزميات، حيث أفرز اندماج الذكاء الاصطناعي في استراتيجيات الحروب الحديثة نوعًا جديدًا من الصراع يُعرف بالحرب المعلوماتية. 


وكون التكنولوجيا أصبحت متاحة للجميع سواء الحكومات أو الأفراد أو حتى الكيانات الخارجة على القانون، ومنها التنظيمات المرتبطة بالجريمة المنظمة والإرهاب، وعلى رأسها بالقطع الإخوان المسلمين، وتنظيمات مثل داعش وجبهة النصرة، وغيرها، بات الجميع يقومون باستغلال الأدوات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاستهداف البنية التحتية الحيوية، وزعزعة الاقتصاد، والتلاعب بالعقل الجمعي من خلال الإشاعات الممنهجة والمهندسة اجتماعياً، وتقويض الثقة العامة في الحكومات الوطنية، والأمثلة كثيرة لا حصر لها، ومنها التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الأمريكية عام 2016، حيث استُخدمت حملات التضليل تسليح المعلومات على المنصات الرقمية للتأثير على سلوك الناخبين.


وبدون شك فأن الانتشار الواسع لاستخدام منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي، أعاد تشكيل مفهوم التواصل بين البشر وباقي أطراف المنظومة الفاعلة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ليس فقط على المستوي الوطني أو الإقليمي بل العالمي، مما أتاح للأفراد مشاركة الأفكار، وإطلاق العنان للإبداع، والوصول إلى المعلومات بسرعة وانتشار غير مسبوقين. ولكن مع مرور الوقت بدأت تظهر في الآفق واقعاً قاتماً، نظراً لوجود التلاعب المتعمد بوسائل التواصل الاجتماعي للسيطرة على السرديات، والتأثير على الرأي العام، وتقويض المؤسسات الوطنية. وتستغل بعض الحكومات والشركات الخاصة والجهات غير النظامية، والتي منها المنظمات الإرهابية، مثل جماعة الإخوان، وتنظيمات الإسلام السياسي، الثغرات التقنية وعلم النفس البشري لصناعة التأثير على العقل الجمعي والسيطرة عليه وتوجيهه، في شكل حرب ضارية على الحقيقة، مما يحوّل هذه المنصات إلى ساحات حرب، تتصادم فيها الدعاية، والمعلومات المضللة، والتوجهات الجيوسياسية، بما يمثل دليلاً على قوة المعلومات وقدرتها على قلب المشهد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، في مختلف بقاع الأرض. 


ولقد أعاد صعود الدعاية (البروباجندا) الحاسوبية تعريف كيفية استخدام المعلومات كأداة للتدمير والسيطرة، فقد ارتفعت الحملات المنظمة—المدفوعة بالخوارزميات، والأتمتة، والبيانات الضخمة—بشكل كبير على مستوى العالم، حيث تم رصد عمليات من هذا القبيل في 70 دولة بحلول عام 2019 (بزيادة قدرها 150% في 2017)، طبقاً لتقرير صادر من جامعة أكسفورد، حيث تنشر الحكومات والأحزاب السياسية والمنظمات المصنفة كمنظمات إرهابية في أنظمة سياسية متنوعة "قوات إلكترونية"، مخصصة للتلاعب بالخطاب عبر شبكات التواصل الاجتماعي للتأثير على الرأي العام، خاصة خلال أوقات الانتخابات والأزمات المحلية والدولية.


كما بعض الدول المذكورة في تقرير جامعة أكسفورد (حوالي 27 دولة)، ومنها دول في منطقة الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا الجنوبية، تقوم باستخدام هذه الأساليب للسيطرة على تدفق المعلومات وتصدير محتوي تم هندسته اجتماعياً، من خلال دمج آليات تشمل التنمر الالكتروني، والتصيد الرقمي، مع أساليب تقليدية مثل الرقابة. وكذلك تقوم جهات عديدة بتنظيم حملات تأثير خارجية تستهدف المجتمعات، خارج الحدود الوطنية، بالمعلومات المضللة لتشكيل سرديات تخدم مصالحها بنفس منطق جوبلز ولكن بأدوات العصر الرقمي. ولا تُعد هذه الأمور عشوائية، بل ممنهجة، حيث تستخدم القوات الالكترونية مجموعة متنوعة من الأساليب، فهناك 79 دولة تعتمد على حسابات يديرها البشر، و60 دولة تستخدم روبوتات آلية، و14 دولة تستغل حسابات مخترقة أو وهمية، و11 دولة تستخدم حسابات يطلق عليها "الكلاب الالكترونية المسعورة" والتي تمزج بين المدخلات البشرية والآلية. كما تعتمد العديد من تلك الدول على شركات خاصة لإدارة تلك الحملات مع ميزانيات تتراوح من عقود محلية متواضعة إلى صفقات بملايين الدولارات مع شركات عالمية، مما يُشكل نظامًا بيئيًا مترابطًا من التلاعب يتجاوز حدود الدول.


ولهذا قد حوّلت صناعة التضليل المعلوماتي التلاعب إلى مشروع ربحي، مما ضاعف بشكل كبير من نطاقه وتأثيره، وحالياً تعمل شركات خاصة في 48 دولة على تقديم خدمات مثل إنشاء حسابات وهمية، واستخدام تقنيات التضخيم الآلي عبر الروبوتات، وتصميم حملات تضليل مستهدفة، وقد تم منح أكثر من 60 مليون دولار من العقود لهذه الشركات في السنوات الأخيرة. فالآن ببساطة تم تحويل الأكاذيب إلى مصدر للربح والتربح في عصر الانفجار المعلوماتي المقرون بهشاشة الوعي العام.


كما تظل منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك نظرًا لقاعدة مستخدميه الضخمة، محورًا رئيسيًا لهذه الحملات، حيث تم رصد نشاط التضليل الرقمي في 56 دولة على تلك المنصة، وكذلك يتم استغلال منصات أخري مثل واتساب، وإنستجرام، ويوتيوب بشكل متزايد، مما يوسع ساحة المعركة الرقمية ويعقّد جهود المجتمع الدولي للتدخل. وعلى الرغم من الإجراءات المضادة التي قامت بها المنصات الرقمية، حيث أزال فيسبوك وتويتر أكثر من 317,000 حساب وصفحة ومجموعة مرتبطة بعمليات فرق إلكترونية بين عامي 2019 و2020، لا يزال التضليل الرقمي يزدهر، مدفوعًا بإنفاق عالمي يقدر بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً، ويُستخدم هذا الإنفاق المالي لاستهداف شرائح ديموغرافية محددة بدقة، عبر دعاية مصممة بعناية، مما يعزز استمرارية هذه الأنشطة الخبيثة، ويصعّب من حماية نزاهة الفضاء الرقمي.


ومن الملاحظ أن تسليح المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي تتجاوز مفهوم البروباجندا ليصل إلى مجالات العمليات النفسية والحروب الهجينة، مما يشكل تداعيات خطيرة على الأمن القومي للدول، حيث تستغل بعض الحكومات، ووكالات الاستخبارات، والجهات غير النظامية، وخاصة الجماعات الإرهابية، منصات مثل فيسبوك، وإكس، وواتساب، لتحقيق أهداف سياسية، مستفيدة من سرعة وانتشار المعلومات على الشبكات الرقمية لتشكيل الرأي العام. وهذا كان واضح في استخدام تنظيمات الإسلام السياسي، مثل تنظيم داعش والإخوان، لوسائل التواصل الاجتماعي في التجنيد ونشر الأيديولوجيا المتطرفة والتشكيك الدائم في قرارات وإجراءات الحكومات الوطنية، وأظن أن الحملة الشرسة التي أطلقها تنظيمات الإسلام السياسي بمختلف أذرعه داخل وخارج مصر، للتشكيك في موقف الدولة المصرية الصلب والجاد والهداف لحماية حقوق الشعب الفلسطيني، ومنع قضيته من التصفية، منذ أحداث غزة الدامية، خير مثال. 


لذا نرى أن هذه الحملات تهدد باستمرار الاستقرار السياسي والسلام المجتمعي من خلال تأجيج الاضطرابات، واستقطاب المجتمعات، وتقويض الثقة في المؤسسات الوطنية، كما أنها تُمكّن الحروب الهجينة، من خلال دمج التضليل الرقمي والسرديات المضللة مع الهجمات السيبرانية، مما يعقّد المشهد على كافة الأصعدة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.


ومن هنا نري أن العالم كله يعاني من حرب ضروس، ليست على أرض المعارك التقليدية، بل في فضاء سيبراني يشمل جميع الأطياف. حرب ضحيتها الوعي العام الذي في غالبه وعياً هشاً، على الجميع القيام بترميمه بمنتهي الحذر والدقة والحرفية، بالإصرار على طرح الحقيقة على المجتمع في ظل منظومة أساسها الشفافية والمصداقية، باستخدام أدوات العصر، وبعيداً عن القوالب الجامدة التي لا تتناسب مع أجيال شابة مولودة في البيئة الرقمية، ومصدر معلوماتها الوحيد هو فيديو 30 ثانية على التيك توك. 
بلا شك الإصرار على إيصال الحقيقة أمراً ليس بالسهل، ولكنه ليس بالمستحيل، ولكنه يحتاج لرؤية جديدة وأدوات تتوافق مع العقل الجمعي في عصر الانفجار، بل الانفلات، المعلوماتي، حتى نحافظ على أوطاننا من هذا الخطر المتسرب لعقولنا بمحض إرادتنا أو بفرضه علينا! الوعي قضية جديرة بالاهتمام حتى لا نتعرض للدمار بأيدينا، بينما يقف أعداء الوطن القدامى منهم والجدد موقف المتفرج الشامت.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء