خريف النواب 2025.. عاصفة الاستقالات تضرب الأحزاب| تقرير
تشهد الساحة الحزبية المصرية حالياً وبالتزامن مع انتخابات مجلس النواب 2025، حالة من الاحتقان والتوتر المتصاعد، في مشهد يعكس صراعات داخلية حادة على النفوذ والتمثيل البرلماني.
تحت شعار "المال السياسي" و "تغييب الكفاءات لصالح الولاءات"، تفجرت موجة من الاستقالات الجماعية داخل أحزاب بارزة مثل الجبهة الوطنية، حماة الوطن، والعدل، بالإضافة إلى خلافات مالية تنظيمية غير مسبوقة تضرب أروقة حزب الوفد العريق.
تكشف هذه الأزمات المتتالية هشاشة العمل الحزبي والمؤسسي، وتطرح تساؤلات جدية حول شفافية وعدالة أسس اختيار المرشحين، في وقت يتطلع فيه المواطنون إلى أحزاب قادرة على تمثيلهم بصدق بعيداً عن الحسابات الشخصية والمالية.
الانسحابات الجماعية.. احتجاج على "السمسرة" والإقصاء
خلال الساعات والأيام الماضية، شهدت 3 أحزاب على الأقل انسحابات جماعية لعدد من كوادرها الأساسية، متهمة القيادات بتغليب المصالح الشخصية والمال السياسي:
1. أزمة "الجبهة الوطنية": التمثيل الهزيل وتغييب الكوادر
تقدمت قيادات بارزة بحزب الجبهة الوطنية في محافظة سوهاج باستقالاتهم بشكل مفاجئ، على رأسهم اللواء صلاح شوقي أبوعقيل، أمين الحزب بالمحافظة.
- دوافع الاستقالة: أوضح اللواء صلاح شوقي عقيل، أن الانسحاب جاء اعتراضاً على "تغييب الإرادة الحقيقية لأبناء الحزب" واستبدالها "بمعايير غامضة لا تمت إلى العدالة بصلة".
- انتقاد حاد للتمثيل: وصف شوقي ما شاهده في الاستحقاق النيابي الحالي بـ "الصادم"، مشيراً إلى أن التمثيل الممنوح لمحافظة سوهاج جاء "هزيلاً وبعيداً عن الواقع الاجتماعي والسياسي"، واقتصر على أسماء لا ترتبط بتشكيلات الحزب، واستبعدت الكوادر التي عملت على بناء الكيان.
- رد الحزب: في المقابل، حاول السيد القصير، الأمين العام لحزب الجبهة الوطنية، احتواء الأزمة، واصفاً الاستقالات بـ "الحالات الفردية"، مؤكداً أن الحزب يملك البدائل، وشدد على أن "من دخل من أجل منصب ولم يحصل عليه الاستقالة ستكون طريقه الوحيد".
2. "حماة الوطن" والاتهام الصريح بـ "المال السياسي"
شهد حزب "حماة الوطن" موجة انسحابات حادة، أبرزها استقالة أمانة الحزب في حلوان بكامل تشكيلها، واستقالة أمانة الوراق .
- تهميش وقيم مهدورة: عبرت أمانة حلوان عن أسفها الشديد من تغليب المصالح الفردية والمال السياسي على قيم الانضباط والعمل الوطني.
- كشفت حنان شرشار، أمين حزب حماة الوطن السابقة بالوراق أن أمين عام الحزب بالجيزة طلب منها مبلغ 25 مليون جنيه مقابل إدراج اسمها ضمن قائمة الحزب المرشحة، مؤكدة أن الاستقالة جاءت عن قناعة تامة بسبب "غياب الشفافية" في اختيار المرشحين وتجاهل كوادر الحزب بالجيزة.
3. "العدل" و"الديمقراطي الاجتماعي": غياب الشفافية والمال مقابل الكفاءة
- استقالة أمانة كفر الشيخ: تقدمت أمانة حزب "العدل" بمحافظة كفر الشيخ، برئاسة رجاء راغب، باستقالة جماعية احتجاجاً على ما وصفوه بـ "انحراف الحزب عن مساره الوطني والاجتماعي" و "ديكتاتورية الإدارة" وغياب الشفافية وتهميش الكوادر.
- تلويح بالغضب في "المصري الديمقراطي": أكدت منى عبد الراضي، أمينة المرأة وعضو الهيئة العليا بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن الغضب يتصاعد داخل صفوف الحزب بسبب استبعاد القيادات النسائية البارزة واختيار مرشحات يمتلكن "ملاءة مالية عالية فقط"، وطالبت بالكشف عن استمارات التقييم لتوضيح أسس الاختيار.
خلافات "الوفد".. "سياسة الأرض المحروقة"
في تطور منفصل، شهد حزب الوفد تصاعداً في حدة الخلافات الداخلية على خلفية قرارات إدارية ومالية مثيرة للجدل أصدرها رئيس الحزب، الدكتور عبد السند يمامة.
- القرار المثير للجدل: أصدر رئيس الحزب القرار رقم 46 لسنة 2025 الذي نص على صرف المستحقات المالية ومكافآت نهاية الخدمة للعاملين، على أن تُخصم قيمتها من إيرادات الحزب وإعلانات جريدة الوفد.
- انتقاد أمين الصندوق: وجه الدكتور ياسر حسان، أمين الصندوق، رسالة شديدة اللهجة انتقد فيها تمرير القرار "دون علمه أو الرجوع إليه"، على الرغم من وجوده في مقر الحزب. واعتبر حسان أن القرارات اتُخذت "بالمخالفة للائحة" ودون دراسة للإمكانيات المالية، مما يجعل التنفيذ "مستحيلاً".
- تحذير من الانفجار: وصف حسان هذه القرارات بـ "سياسة الأرض المحروقة"، محذراً من أنها "لن تؤدي إلا إلى انفجار الأوضاع داخل الحزب ومؤسساته".
"الوعي" يوضح ملابسات استقالة قيادة الغربية
في إطار التزامه بـ "الشفافية والمسؤولية الأخلاقية"، أصدر حزب الوعي بياناً مفصلاً بشأن استقالة السيدة “شذا النمر” من رئاسة لجنة الحزب بمحافظة الغربية.
- قبول فوري للاستقالة: أكد الحزب أن السيدة شذا النمر تقدمت باستقالتها بتاريخ 19 يونيو 2025، وتم قبولها فوراً، وذلك بعد علم الحزب بوجود بلاغات وشكاوى من مواطنين تتعلق بـ "ممارسات تجارية" يُزعم ارتكابها من خلال شركتها الخاصة.
- الحزب ينفي العلم المسبق: أكد الحزب على نحو قاطع أنه لم يكن على علم بالوقائع أو البلاغات وقت قبول عضويتها أو تكليفها، مشدداً على أن العضوية كانت مبدئية ومؤقتة، وأن ما حدث يُعد تطبيقاً لفعالية النظام الرقابي الداخلي.
- فصل المسؤولية: شدد الحزب على أنه لا علاقة له إطلاقاً بأي نشاط تجاري أو مالي لأي من أعضائه، وأن الوقائع محل الشكاوى تقع بالكامل خارج نطاق مسؤوليته المؤسسية، وأن الحزب يحتفظ بحقه في مواجهة أي محاولة لربط اسمه بهذه الوقائع.
صرخة احتجاج وطنية.. استبدال "الكفاءة بالولاء و"المبدأ بالصفقة"
الاستقالات الأخيرة ليست مجرد "حدث عابر"، بل هي "صرخة احتجاج وطنية" من داخل البيت الحزبي نفسه، تعكس شعوراً حقيقياً بالظلم ورفضاً لمنظومة مغلقة تحكمها المصالح والمجاملات.
تحولت بعض الأحزاب، وفقاً للمستقيلين والقيادات المعارضة، إلى كيانات تبحث عن الوجاهة والسيطرة لا الإصلاح والخدمة العامة. وقد تم استبدال الكفاءة بالولاء، والمبدأ بالصفقة، والعمل الحزبي بـ "السمسرة"
هذا النهج، إذا استمر، ينذر بـ انهيار داخلي ولن يُبقي من الأحزاب سوى "أسماء لافتات وشعارات جوفاء لا تملك من مضمون السياسة شيئًا".