مصر .. أجهزة ناجزة وأخرى عاجزة
تُشبه الدولة المصرية جسدًا حيًّا لا تُكتب له العافية إلا إذا عملت جميع أجهزته بكفاءة وتناسق، دون خلل أو قصور، فكما يعتمد الجسد في قوّته وسلامته على تكامل أعضائه ووظائفه الحيوية، فإن الدولة لا تنهض إلا بتكامل سلطاتها ومؤسساتها، من تشريعية وتنفيذية وقضائية، تؤدي كلٌ منها دورها المنوط بها دون تغوّل أو تقاعس.
فلا يمكن لوطن أن يحقق استقراره وتقدّمه إذا أصيبت إحدى سلطاته بالوهن أو خرجت عن مسارها الطبيعي فبناء الدولة الحديثة لا يتحقق بالشعارات، بل بمنظومة متماسكة من العمل المؤسسي، والتعاون المتبادل بين السلطات، في إطار الدستور وسيادة القانون.
وإذا كانت السلطة التنفيذية تمثل القلب النابض بالحركة والقرارات اليومية، فإن السلطة التشريعية تُعدّ بمثابة العقل الذي يسنّ القوانين وينظم الإيقاع العام للحياة السياسية والاجتماعية، بينما تبقى السلطة القضائية صمام الأمان والميزان العادل الذي يحفظ الحقوق ويصون الحريات. وأي خلل في أداء إحداها يُلقي بظلاله على الكيان بأكمله.
وإذا أردنا مثالًا واقعيًا يُجسّد أثر التساند بين أجهزة الدولة، فلن نجد أوضح من التناغم والتكامل بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة، ووزارة الداخلية، والمخابرات الحربية، هذا التكاتف لم يكن مجرد تنسيق تقني أو ظرفي، بل كان عاملًا حاسمًا في ترسيخ استقرار الدولة من الداخل، وتعزيز مكانتها إقليميًا ودوليًا.
لقد أسهم هذا الانسجام المؤسسي في تقديم صورة قوية لدولة قادرة على حماية أمنها، ومؤهلة لاحتضان الاستثمار، وهو ما دفع كبريات المؤسسات الاقتصادية العالمية إلى العودة بثقة إلى السوق المصري.
ومن ثمار هذا الاستقرار أيضًا، ذلك الحضور اللافت لزعماء دول العالم خلال مؤتمر شرم الشيخ الأخير، في رسالة دولية واضحة تعكس ثقة القيادات السياسية العالمية، ومعها أجهزتها الأمنية، في قدرة الدولة المصرية ومؤسساتها المعنية على توفير أقصى درجات الحماية والتنظيم.
هنا يثور التساؤل، عن سبب تالتساؤلالعن عنعنالتفاوت الواضح بين مكونات السلطة التنفيذية، فهناك أجهزة استطاعت تحقيق إنجازات ملموسة، وتحظى بثقة المواطن، وأخرى تعاني من العجز الإداري، والبيروقراطية، والفساد، مما انعكس سلبًا على مستوى الخدمات المقدمة، وعلى علاقة المواطن بالدولة، رغم عملهما تحت مظلة الدولة ذاتها وبنفس القوانين والموارد العامة؟
في السنوات الأخيرة، قدّمت بعض الأجهزة نموذجًا يُحتذى في الكفاءة والإنجاز، نتيجة تميزها بسمات وضوح الرؤية، الانضباط المؤسسي، الاعتماد على الكفاءات، وجود آليات تقييم ومحاسبة حقيقية، وبيئة إدارية تستهدف الإنجاز كأولوية مطلقة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض أجهزة الدولة لا تزال تُعاني من مظاهر خلل مزمن، وكأنها تعيش خارج إيقاع الزمن، من بيروقراطية موروثة، تأخر في الإجراءات، ضعف في الخدمات، وتفشي المحسوبية والرشوة، وكلها مظاهر واضحة لغياب الكفاءة الإدارية والرقابة الحاسمة.
ومن العجائب المحيرة أن تتعطل مصالح المواطنين، أولى أولويات الدولة، بسبب صراعات التعاند والتقاطع بين الأجهزة والسلطات نفسها، ففي ظل هذه المعارك من أجل فرض النفوذ وإثبات الهيمنة، يتحول المواطن البسيط إلى ضحية لا ذنب له سوى حاجته إلى خدمات أساسية وحياة كريمة.
وتظهر هذه الأعراض جلية في بعض مكاتب التموين، والإدارات التعليمية والصحية في عدد من المحافظات، إضافة إلى أجهزة المحليات، التي تمثل وبكل أسى وأسف، واحدة من أكثر النقاط هشاشة في جسد الدولة، رغم أنها على تماس مباشر ويومي مع احتياجات المواطن.
ومن أبرز النماذج التي نتناولها في مقالنا اليوم، وزارة الشباب والرياضة، التي من المفترض أن تكون حاضنة لطموحات ملايين الشباب، إذ لا تزال في كثير من ملفاتها رهينة الروتين والممارسات التقليدية.
ويُضاف إلى ذلك عيب خطير لا يمكن تجاهله، يتمثل في غياب نسق واضح وموحد في التعامل مع الجهات والمؤسسات الرياضية المنضوية تحت إشرافها، ما أفرز حالة من الانحياز السافر لصالح جهة بعينها، تحظى – لأسباب غير مفهومة – بحماية غير معلنة، وتحصين فعلي من أي مساءلة رغم تعدد مخالفاتها وتجاوزاتها.
وبدلًا من أن تنخرط وزارة الشباب والرياضة في رعاية مشروعات حقيقية تنهض بالشباب وتُعزز البنية التحتية الرياضية، نجدها -عجبًا- منشغلة برعاية دوري المقاهي في لعبتي الطاولة والدومينو، وكأن هذا هو أقصى ما يطمح إليه شباب مصر! في الوقت ذاته، تُحقق منتخبات شابة في دول الجوار، إنجازات تُعبّر عن تخطيط طويل المدى واستثمار جاد في المواهب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإذا ما حللنا أسباب التفاوت في الأداء بين الأجهزة وبعضها البعض، نجد أن أهمها يعود للأسباب التالية:
- غياب التقييم الحقيقي، نتيجة عدم الخضوع لمراجعات فعالة للأداء، ودون محاسبة حقيقية على النتائج.
- الثقافة المؤسسية الراكدة، فبعض الإدارات تعمل بعقلية رافضة للتغيير أو التطوير.
- الفساد والمحسوبية، يفرز غياب الرقابة، خلق بيئة خصبة للفساد.
- غياب القيادة الملهمة، فالأجهزة العاجزة تعاني من غياب الرؤية، وقيادات بلا روح.
فهل نقف مكتوفي الأيدي، ومكبلي الفكر، حيال تلك الأجهزة، بالتأكيد لن نكون بهكذا سلبية، ونتشارك العجز معهم، لذا إذا أرادت الدولة المصرية أن تستكمل طريقها نحو المستقبل، فعليها أن تبادر وتسارع إلى تفعيل الإجراءات التالية:
- تحديث القوانين والتنظيمات، من خلال مراجعة القوانين واللوائح البيروقراطية، وتبسيط الإجراءات لتقليل التعقيدات وتحسين سرعة الإنجاز.
- إصلاح البنية التحتية الرقمية، وتطوير الأنظمة الإلكترونية لتيسير المعاملات، تحسين الشفافية، وتقليل الفساد عبر تقليل التفاعل البشري المباشر.
- تطوير الموارد البشرية، وتشمل تدريب الموظفين على مهارات الإدارة الحديثة، رفع كفاءة الأداء، وتحفيزهم على الابتكار والالتزام.
- تحسين نظم الرقابة والمساءلة، عبر تطبيق آليات شفافة للمحاسبة، مع وجود رقابة داخلية وخارجية لضمان الالتزام بالمعايير، ومعاقبة المخالفين.
- تشجيع المشاركة المجتمعية، حتمية فتح قنوات تواصل مع المواطنين لأخذ ملاحظاتهم وشكاواهم، واستخدامها كأداة لتحسين جودة الخدمات.
- مكافحة الفساد بكل حزم، وتأسيس لجان مستقلة لمكافحة الفساد، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية والقضائية.
- تحفيز الابتكار والتغيير التنظيمي، تشجيع المبادرات التي تطرح حلولًا جديدة لمشكلات الإدارة، وإعادة هيكلة الأجهزة التي لا تتناسب مع متطلبات العصر.
- تعزيز ثقافة العمل المؤسسي، نشر الوعي بأهمية الانتماء المهني والولاء للمؤسسة، والعمل بروح الفريق.
ختامًا، يبقى جسد الدولة المصرية كيانًا حيًا ينبض بآمال شعبه وطموحات أجياله القادمة، لا يستقيم إلا بتكامل أجهزته وتضافر سلطاته، كونها مفاتيح استعادة الثقة وتعزيز مكانة الوطن على الساحة الدولية، وفي الوقت ذاته، لا بد من مواجهة التحديات التي تعاني منها بعض الأجهزة الإدارية، بانتهاج سياسات وإجراءات على نحو ما أسلفنا سرده.
إن مصر القوية تنهض ارتكازًا على منظومة متجانسة من مؤسسات فاعلة، تدرك أن نجاحها هو نجاح للوطن كله، وأن فشلها ينعكس على حياة المواطن البسيط قبل كل شيء.
تحيا مصر .. شعبًا وقيادة،،
والله من وراء القصد،،