القمة الأوروبية – المصرية: برجماتية السياسة الخارجية لمصر
تمثل القمة الأوروبية – المصرية الأخيرة محطة فارقة في مسار العلاقات بين القاهرة والاتحاد الأوروبي، ليس فقط لأنها تناولت ملفات التعاون الاقتصادي والسياسي، بل لأنها عكست إدراكاً أوروبياً متنامياً بأن مصر أصبحت ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن سياستها الخارجية المتزنة تمثل نموذجاً في إدارة المصالح وتعظيم الدور الإقليمي في عالم مضطرب.
وعليه، تؤشر هذه القمة إلى نجاح مصر في بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية، من واشنطن وموسكو إلى بروكسل وبكين. فالقاهرة لا تنتهج سياسة المحاور، بل تتبنى دبلوماسية قائمة على “التعددية الواقعية”، بما يحافظ على استقلالية القرار الوطني ويعظم من مكاسب الدولة في بيئة دولية متغيرة.
كما تعكس الزيارة إدراك القيادة المصرية لأهمية إعادة صياغة العلاقات مع أوروبا على أسس جديدة تراعي المصالح المشتركة، بعيداً عن النظرة التقليدية للعلاقات بين الشمال والجنوب. فمصر باتت اليوم شريكاً فاعلاً يُبنى معه المستقبل، لا مجرد طرف يتلقى المساعدات أو التوجيهات.
وبالتالي عند محاولة استقراء دلالات القمة وتوقيتها، فاانعقادها في هذا التوقيت يعكس إدراكاً متبادلاً لحساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة، حيث تتقاطع الأزمات في الشرق الأوسط مع التحولات في أسواق الطاقة والأمن الإقليمي. بالنسبة لأوروبا، تمثل مصر شريكاً موثوقاً في قضايا الطاقة والأمن والهجرة، كما تمثل محور توازن في ملفات غزة وليبيا والسودان. أما بالنسبة لمصر، فإن القمة تأتي في إطار سياسة خارجية تراكمية واضحة، حيث جاءت امتداداً للاتفاق الإطاري للتعاون الذي تم توقيعه في مارس 2024، والذي وضع أسساً مؤسسية للتعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتحول الأخضر.
عكست القمة امتداداً طبيعياً لجهود دبلوماسية مصرية نشطة خلال عامي 2024 و2025، تمثلت في سلسلة من اللقاءات والزيارات المتبادلة بين القاهرة وعدد من العواصم الأوروبية. فقد شهد زيارات رسمية متبادلة مع فرنسا، وإسبانيا، واليونان، حيث ركزت المباحثات على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، ودعم الجهود المصرية في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
كما جاءت لقاءات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع القادة الأوروبيين على هامش القمة لتعكس متانة العلاقات الثنائية، خاصة مع فرنسا وإسبانيا، اللتين تتقاطع مصالحهما مع القاهرة في ملفات المتوسط والطاقة ومكافحة الإرهاب. وتؤكد هذه اللقاءات أن القاهرة تبني علاقاتها الأوروبية على أسس مؤسسية طويلة المدى، وليست ردود فعل ظرفية، ووفقا لبيانات االجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء ، تطور العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول الاتحاد الأوروبى، حيث وصلت قيمة الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأوربى 8.7 مليار دولار من يناير حتى أغسطس 2025 مقابل 8.1 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2024 بنسبة ارتفاع قدرها 7.4 %.
وهو ما برز خلال البيان الختامي للقمة ليؤكد بوضوح التوجه الاستراتيجي نحو شراكة متكافئة قائمة على المصالح المشتركة. فقد أشار البيان إلى التزام الجانبين بتعميق التعاون في مجالات الطاقة المستدامة، والهيدروجين الأخضر، واستكشافات الغاز الطبيعي، وهو ما يعكس الاعتراف الأوروبي بالدور المتصاعد لمصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة في شرق المتوسط، وايضا دعم الاتحاد الأوروبي لموقف مصر الثابت من رفض التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة، والتقدير العميق لدورها المحوري في إدارة المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار وتثبيت الهدنة الإنسانية، بما يبرز ثقة المجتمع الدولي في قدرة القاهرة على التعامل بمسؤولية مع الملفات المعقدة في الإقليم.
والتوافق على توسيع التعاون في مجال الهيدروجين الأخضر، بوصفه ركيزة للتحول الطاقوي الأوروبي، حيث تسعى دول الاتحاد إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، بينما تمتلك مصر موقعاً استراتيجياً ومقومات فنية تجعلها منصة إنتاج وتصدير رئيسية في هذا القطاع.
وفي موازاة ذلك، مثّلت استكشافات الغاز في شرق المتوسط عاملاً محورياً في تعميق المصالح المشتركة، إذ أصبح التعاون في مجال الغاز الطبيعي أحد أعمدة الشراكة الاقتصادية، ضمن رؤية أوسع لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة يخدم احتياجات السوقين الأوروبية والإفريقية.
في خضم الأزمة في غزة، نجحت مصر في توظيف علاقاتها الدولية لبناء حشد سياسي ودبلوماسي داعم لموقفها الثابت من رفض التهجير وضرورة الحل السياسي العادل، مستندة في ذلك إلى شبكة علاقات دولية واسعة تمتد من واشنطن إلى بروكسل وموسكو وبكين.
لقد أظهرت القمة الأوروبية – المصرية أن الموقف المصري لم يعد مجرد صوت إقليمي، بل رؤية مستقلة تتبناها قوى كبرى في المجتمع الدولي، انطلاقاً من الثقة في حكمة الدبلوماسية المصرية ووعيها بتوازنات القوة في المنطقة.
ختاما ، تُظهر هذه القمة بوضوح أن السياسة الخارجية المصرية قائمة على منهج التراكم والتدرج والمرونة مع بنية النظام الدولي المتغير ، حيث تبني كل خطوة على ما سبقها في إطار من الثبات الاستراتيجي. فمن اتفاقيات التعاون في الطاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى دور مصر في تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، مروراً بعلاقاتها المتوازنة مع روسيا والصين، تتجسد أمامنا دبلوماسية مصرية متعددة المسارات قادرة على إدارة التناقضات الدولية بذكاء ومهارة.