رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تدوين مواقف يومية وعاطفية لتصبح تاريخية.. ماذا تعرف عن فن اليوميات؟

فن اليوميات
فن اليوميات

يعد  فن اليوميات هو الوسيلة التعبيرية التي يعبر لها بعض الناس عما يواجهونه، فبعض الناس يلجؤون لكتابة كل ما يشعرون به لتفريغ طاقتهم السلبية، ويُمثل فن اليوميات أحد أهم الفنون التعبيرية العريقة في الثقافة الغربية.

ويعتبر فن اليوميات الأكثر تداولاً بين الناس من فنون أخرى، لدرجة أن وصف بأنه أكثر الأنواع ديمقراطية، وذلك لعدم اشتراطه في من يمارسه عمرًا معينًا أو معرفة بشيء ما أو علمًا التدرج في كتابته أو حتى الانتماء طبقة اجتماعية معينة، وقد انتشر هذا الفن بين الكتّاب والفنانين والسياسيين.

كتابة فن اليوميات
كتابة فن اليوميات

 

ولا يزال هذا النوع من الكتابة التعبيرية غير رائج في الثقافة العربية، ويُرجع بعض النقاد عدم رواجه إلى أسباب كثيرة منها عدم وجود ثقافة التدوين لدى الكثيرين، فضلًا عن اعتباره أنه فرع من فروع الكتابة عن الذات، وفي بعض أحيان لا يتمكن الكثيرين من طريقة الكتابة وكيفية البدء، وخلّف عدم ذيوع هذا النوع من الفن غياب شبه كلي به نقديًا، فلم تظهر بحوث جادة تُناقش هذه الممارسة الفنية.

 

ورغم عدم انتشار هذا الفن، إلا أنه بدأت مؤخرًا دور النشر تطلق هذا النوع من الممارسة الفنية، وتخصص له جوائز، مما جعل حرك الأفلام النقدية، وبدأ الباحثين في كتابة مدونة اليوميات والمذكرات.

ما هو فن اليوميات؟

 

تنقسم اليوميات إلى نوعين، الأول ما يسمى بـ "أسلوب حياة"، إذ يختار الكاتب أن يعيش كاتبًا لليوميات وتصبح ممارستها شيئًا مُلزمًا في حياته لا ينقطع عنه إلا ليعود إليه، وهذا يوجد عند عدد من الكتاب التي شكلت اليوميات وجهًا من وجوه هويتهم الإبداعية، ومثال على ذلك الكاتبة الفرنسية الأمريكة "أنييس نن"، التي قضت حياتها تكتب اليوميات تاركةً وراءها مجلدات كثيرة، والكاتب البلجيكي جورج سيمتون، الذي جعل من اليوميات مشروعًا لحياته.

 

أما النوع الثاني، فهو فن اليوميات الطارئة على المشروع الأدبي أو الفني، إذ تنطلق من تجربة مخصوصة وجد فيها الكاتب نفسها، تجربة فارقة مثلّت تحولًا في حياته، أو حدثًا جللًا لا يُنسى.

 

يوميات "أنا فرانك" في الحرب العالمية الثانية

 

وتعد من أبرز الأمثلة على فن اليوميات، "يوميات أنا فرانك"، في الحرب العالمية الثانية، و"يوميات الحداد" لرولان بارت، إثر موت أمه، أو يوميات المجندين والمحاصرين والمساجين من الأدباء والفنانين وغيرهم، الذين أقدموا على كتابة تجاربهم يوماً بيوم، ولم تكن تلك اليوميات تخطر ببال الواحد منهم قبل مروره بتلك التجربة. ومن ثم، فالمشترك بينهم جميعاً هو هذا الطارئ الذي يسمى "التجربة الفارقة".

 

ويُلاحظ أن ما يجمع كل هؤلاء الكتاب هو أن تجربة جماعية أو فردية جمعتهم على كتابة فن اليوميات، ففي التجارب الجماعية أو المشتركة، يمكننا أن ندرج يوميات؛ الحروب  والحصار والثورات والانتفاضات، أما ضمن التجارب الخاصة والفردية، فيمكن أن ندرج فيها تجارب المرض والمنفى والاعتقال والفقدان والإبداع.

 

كما يُلاحظ أن الفترة المفصلية في تشكيل المشهد الجيوسياسي العربي، وتشكل الوعي لدى الشعوب العربية يعكسها ويسجلها فن اليوميات، وهذا ما يكسب هذه الدفاتر، على قلتها، قيمة استثنائية في رصد الوعي والتأريخ له وللأحداث، لا من خلال الخطاب التاريخي الرسمي، بل من خلال الخطاب الذاتي الفردي لصاحب التجربة، الكاتب والفنان.

 

فن اليومات “تمرد على الذات”

 

وتعتبر كتابة اليوميات وجه من وجوه التمرد على الذات باعتارها مؤسسة فرضت ضوابط حضورها الذي تواجه به الناس والعالم، وكتابتها بطريقة أخرى في حد ذاته تمرد على قوانينها التي وضعتها بنفسها، ومن ثم فالذات الكاتبة تصبح في مواجهة أولى للذات المكتوبة نفسها، التي ستتصدى لها بالتمنع وبردود أفعال أخرى مختلفة، لردّها على ما عزمت عليه الاعتراف به.

 

ويقترب فن اليومات من الاعترافات، ويعد أدب الاعتراف من أهم الأجناس الأدبية الحميمة، إذ يعتبر مراجعة للذات الإنسانية أو التأمل فيها، بل والتفكر والتعلق بها، فيما عاشته تلك الذات من تجارب

 

فن اليوميات والمذاكرات

 

وفي هذا السياق، ميّز عباس محمود العقاد ميز بين نوعين من اليوميات، أو المذكرات كما يسميها؛ المذكّرات التي تقتصر على الفكر والقراءة، وهي التي كتب فيها ونشر الكتب، والمذكرات الأخرى المتعلقة بحوادث الحياة فيقول: "أما النوع الآخر، وهو المذكرات عن حوادث الحياة وعوارضها، فلم أشرع في الكتابة فيه إلا مرة واحدة طالت بضعة شهور، ثم مزقت ما كتبت وأحرقته ولم أعد إلى تجربة الكتابة في هذا النوع مرة أخرى، ولعلّي لا أعود".

 

وأبان العقاد عن معرفة دقيقة بفن اليوميات في الغرب، عندما أشار إلى ازدهاره عند الشعوب الأوروبية، والإنجليز تحديداً، ولكنه تجنبه لأسباب أخرى غير أدبية، فهو يصفه بأدب اليوميات، وهذا دليل على أن العقاد يجلّ هذه الكتابة على عكس الآخرين الذين يعتبرونها كتابة أقل درجة من الأدب.

 

واعتبر العقاد أن ذلك النوع أنفع للمؤرخين والعلماء والمحللين، وغيرهم من الناس العاديين، فأولئك المختصون تساعدهم اليوميات على معرفة الفترات التي عاشها كاتب اليوميات ووثقها، والتحولات التي عرفها مجتمعه.

 

رأي العقاد في فن اليوميات

 

ويقول العقاد، أن هذا اللون من الأدب، موضع دراسة المؤرخ والناقد النفساني، والفيلسوف، والباحث العلمي، وكل من تعنيه سير الجماعات والأفراد؛ يشتركون في دراسته وبحثه تارة لبيان الأسباب التي تدعو الناس، في فترة خاصة من الزمن، إلى تدوين مذكراتهم والعكوف على أسرار ضمائرهم بمعزل عن الجماهير وشواغلهم العلنية، وتارة لتحقيق الوقائع واستكشاف دخائل الرجال، ويأتون في جميع هذه التعليلات والتخريجات بما يلذ الوقوف عليه ويفيد"، بينما غايته التوجه إلى عموم الناس بما ينفعهم في يومياته التي استبعد منها الحميمي والحوادث التي عاشها.

 

فن اليوميات
فن اليوميات

ويقول عباس محمود العقاد، "إنني دوّنت تلك اليوميات لأستعين بها على تاريخ الفترة وتحليل أخلاق رجالها، ثم رأيت، في أثناء الثورة الوطنية وبعدها بقليل، أن ملفقي التهم ومدبري المكائد يستعينون بأمثال هذه اليوميات على طبخ القضايا وإحراج الأبرياء، وظهر لي أن إثبات ملاحظاتي على رجال الفترة من العسر بمكان مع تعرض اليوميات للمصادرة والسؤال، فآثرت إحراقها أيام اشتداد المحكمات والمصادرات".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء