تعلم التمثيل في قهوة.. صفعة عزيز عيد تنقذ موهبة محمد توفيق من الضياع
عشق الفن وبات يجري في دمه مجرى الدم، لم يبحث عن الأضواء ولم يستعجل الشهرة، يكفيه أن يجسد دور يقنع به المشاهد ويجعله يعيش في ذاكرته، يتجسد الصدق في ملامحه ويمتلك بساطة العاديين، حتى بات واحد من أهم الفنانين في السينما المصرية، هو والدة "فؤادة" في "شئ من الخوف" و"الأسطى حسن الحلاق" في "قنديل أم هاشم" و"عابدين" في "هند والدكتور نعمان"، تعددت الشخصيات والموهبة واحدة، هو الفنان محمد توفيق.
النشأة
ولد محمد توفيق، في 24 أكتوبر 1908 بمدينة طنطا في الغربية، وينتمي لعائلة" العجيزي" الأسرة التي عُرفت بانخراطها في الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني.
قلم عزيز
وانتقل محمد توفيق مع أسرته إلى حلوان بالقاهرة، وهناك خطفته نداهة الفن، وبات يتردد على جمعيات التمثل، وخاصة دار التمثيل العربي، ويجلس على "قهوة مصر" التي كانت تقع أمام مسرح رمسيس ليشاهد العمالقة عن قرب، وفي إحدى الليالي وقعت "خناقة" بين عزيز عيد وعباس فارس، بعد إن طلب الأخير زيادة أجره من 3 جنيهات إلى 5 جنيهات، وهو ما رفضه "عيد" فقرر أن ينسحب عباس فارس من عرض رواية "مجنون ليلى".
وجد عزيز عيد ضالته في محمد توفيق ليؤدي دور عباس فارس، في أثناء إقناعه بالدور الصعب أخفق "توفيق" في الاندماج في الشخصية الذي يتطلب ممثلا كبيرا في السن، بينما هو لم يكن محمد توفيق قد تجاوز السادسة عشر من عمره، ليصفعه عزيز عيد بـ"القلم"، وهو يقول له "ناقصك الروح، والاندماج، انسى نفسك" وفي لحظة وجد "توفيق" دموعه تنهمر من شدة الصفعة، وبدأ يكيل له الشتائم التي قابلها عزيز عيد بابتسامة.
"أنا هعمل الدور أحسن منك" قالها "توفيق" وهو يجفف دموعه وبدأ في تقمص دور "المهدي" الرجل العجوز في الرواية، وما أن انتهى حتى أخده عزيز عيد في أحضانه، ومن "قلم" عزيز عيد كتب محمد توفيق اسمه في قائمة الممثلين.
البدايات
شغفه بالفن جعله يلتحق بمعهد التمثيل المصري في مطلع الثلاثينيات، وكان من أوائل خريجيه، وسافر إلى المملكة المتحدة، وتعلم هناك على يد المسرحي لورانس أوليفييه، وبعد عودته جاء يمتلك روح فنية ورؤية عالمية.
وفتحت له السينما ذراعيها بعد عودته من إنجلترا في مطلع الأربعينيات، وكانت البداية مع المخرج نيازي مصطفى في فيلم "مصنع الزوجات" ولفت أنظار المخرجين وتوالت مشاركاته في عدة أفلام سينمائية، أبرزها "لك يوم يا ظالم، والسوق السوداء، وقنديل أم هاشم"، كما برع في تجسيد دور "حافظ" والد "فؤادة" في "شيء من الخوف".
كان محمد توفيق دائم البحث عن التنوع في أدواره تجده الموظف والفلاح أحياناً وفي كل دور لا يفقد وقاره أو حضوره، ويجسدها بكل صدق، ولسنوات طويلة ظل يتنقل بين كل الأجيال حتى كبر سنه فأدى أدوار الأب والجد بمنتهى الحرفية، ولعل أشهرها دور "درويش" والد "أبو الوفا" الذي جسده نور الشريف في "عيون الصقر"، كما لم يكتف بالتمثيل، حيث يجلس خلف ميكروفون الإذاعة فأخرج 2000 تمثيلية إذاعية.
الأب المثالي لدراما الثمانينيات والتسعينيات
وتعلق قلب محمد توفيق بالتلفزيون، وكان وجها محبب لجمهور الشاشة الصغيرة، يتنقل بين أدوار الأب والجد في حضور هادئ وبصوت دافئ، وشارك في نحو 40 مسلسلا أبرزها "هند والدكتور نعمان، رحلة السيد أبو العلا البشري، يوميات ونيس".
تكريم يليق بموهبته
ونال محمد توفيق وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، من الرئيس جمال عبد الناصر في 1967، ومن الرئيس أنور السادات في 1979، وكان تكريما مستحقا لرحلة فنان كبير كرس حياته كلها للفن بكل ما أوتي من موهبة.
رحيل هادئ
مشوار طويل قضاه" توفيق" حتى أسدل الستار على حياة فنان قضى سنوات طويلة في خدمة الفن، ورحل في 27 مارس 2003 في هدوء كما عاش لكن يبقى إرثه الفني باقي أمد الدهر.