عاد ليفتك بأطفال الجزائر وموريتانيا.. «الدفتيريا» ينهض من القرن الـ 19
في عالم يتهيأ لثورة طبية يقودها الذكاء الاصطناعي والعلاج الجيني، جاءت الجزائر لتذكرنا بأن الخطر لا يسكن دائمًا في المجهول، بل قد ينهض من رماد الماضي، فبعد عقود من الغياب، عاد مرض الدفتيريا أو «الخناق» ليخطف الأرواح في ولاية سكيكدة، ويفتح ملفًا ظنه الجميع مطويًا منذ منتصف القرن الماضي، تفشي مفاجئ وقلق شعبي، واستنفار رسمي، لكن خلف الأرقام تكمن قصة أعمق، فهل بدأ جدار المناعة العامة يتصدع؟، خاصة مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية من "انتكاسة عالمية" في التلقيح بعد جائحة كورونا، حيث تم تأجيل حملات التطعيم المدرسية وفقدت ملايين الجرعات في الدول النامية مما خلق ما يسمى بالـ "فراغات المناعية" داخل مجتمعات كاملة.
وحش عاد من الماضي
قبل أن تولد فكرة اللقاحات، كانت “الدفتيريا” أشبه بوحش يتجول في المدن بلا رادع، يخطف أرواح الأطفال ويزرع الرعب في قلوب الأهالي، عرفت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر باسم “الطاعون الأبيض”، إذ كانت مشاهد الاختناق والوجوه الشاحبة ترسم لوحة مأساوية للموت البطيء.
في عام 1735، شهدت مستعمرات أمريكا الشمالية إحدى أشرس موجاته، حيث أزهق المرض أرواح آلاف الأطفال خلال بضعة أشهر فقط، وظل هذا العدوّ يفتك بالبشر حتى عام 1883، حين نجح العالمان الألمانيان كليبز ولوفلر في عزل البكتيريا المسببة للمرض، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع العلمي ضد «الخناق».
وفي عشرينيات القرن الماضي، غيّر ابتكار لقاح التوكسويد المعادل للسمّ مجرى التاريخ، إذ مكن من تحصين الأجيال الجديدة وجعل الدفتيريا تتراجع تدريجيًا حتى كادت تختفي من أوروبا وأمريكا بحلول منتصف القرن العشرين، وهكذا تحول الوباء الذي كان يومًا «القاتل الصامت» إلى فصل منسي في كتب الطب والتاريخ.
الجزائر أمام إنذار صحي مبكر
لم يكن خبر وفاة شخصين في ولاية سكيكدة مجرد رقم عابر في نشرات الأخبار، بل إنذار شديد اللهجة أعاد فتح ملف ظن أهل الجزائر أنه طوي إلى الأبد، فبعد عقود من الغياب، عاد مرض الدفتيريا ليظهر في الشرق الجزائري، معلنا أول تفشي منذ منتصف القرن الماضي.
السلطات الصحية الجزائرية تحركت بسرعة، أنشئت خلية أزمة في مديرية الصحة، وأطلقت حملة تلقيح عاجلة شملت أكثر من 500 شخص، مع متابعة ميدانية دقيقة وتنسيق مستمر مع السلطات المحلية، ورغم تطمينات وزارة الصحة بأن “الوضع تحت السيطرة”، فإن القلق الشعبي لم يتراجع، فالسؤال الأعمق يبقى مطروحًا، كيف تسللت العدوى مجددًا إلى بلد كان قد أعلن الانتصار عليها قبل نصف قرن؟
الجواب لا يبدو في البكتيريا نفسها، بل في الفجوات البشرية حولها، فمعدلات التطعيم تراجعت في بعض المناطق الريفية والنائية، حيث تتلاشى المراكز الصحية ويغيب الوعي بأهمية اللقاح، أو تتراجع ثقة المواطنين في المؤسسات الصحية. هناك فارق حاسم بين أن يكون اللقاح “موجودًا” في المخازن، وأن يكون “متاحًا” لكل طفل في قرية بعيدة، تلك الفجوة الصغيرة، كما يرى خبراء منظمة الصحة العالمية، كانت كافية لإحياء بكتيريا نائمة منذ عقود.
وما حدث في الجزائر ليس استثناءً، فموريتانيا المجاورة واجهت قبل أسابيع تفشيًا مشابهًا في ولايتي الحوضين والعصابة، خلف 15 وفاة وأكثر من 200 إصابة، السلطات هناك سارعت إلى تنفيذ حملات تطعيم مكثفة، وأعلنت أن “الوضع تحت السيطرة”، لكن التجربة الموريتانية كانت بمنزلة جرس إنذار إضافي للمنطقة كلها، ومع حركة السكان بين الحدود، يبدو أن الخطر لم يعد شأنًا محليًا، بل قضية إقليمية تستدعي يقظة دائمة.
الدفتيريا.. قاتل صامت
الدفتيريا هي عدوى بكتيرية تنتقل عبر رذاذ الجهاز التنفسي من عطس أو سعال الشخص المصاب، أو عبر مشاركة أدواته مثل الأكواب والملابس والفراش، تدخل البكتيريا عادة من خلال الأنف أو الفم إلى الحلق، حيث تنمو على الأغشية المخاطية مكونة غشاءً رماديًا قد يسدّ مجرى الهواء مما يسبّب الضيق والتهابا في الحلق، لكن الخطر لا يقتصر على هذا الانسداد، فالبكتيريا تنتج سمًا قويًا يُنقَل عبر الدم إلى القلب والأعصاب والكلى، وقد يُفضي إلى مضاعفات مميتة مثل التهاب عضلة القلب أو شلل عصبي.
تبدأ الأعراض غالبًا بشعور عام بالإعياء والحمّى والتهاب الحلق وصعوبة البلع، ثم تتطور بسرعة إلى ضيق في التنفس وبحة في الصوت، ما يجعل التشخيص المبكر أمرًا حاسمًا.
لذا، ينصح الأطباء بالبدء بالعلاج فور الاشتباه دون انتظار نتائج المعامل المختبرية، أما العلاج الفعّال فمعتمد على حقن المضاد للسّم ومضادات حيوية مثل البنسلين أو الإريثروميسين، إضافة إلى العزل والعناية الداعمة لمنع انتقال العدوى إلى الآخرين.
في اليمن.. درس في الكارثة الصحية
لا يعد ظهور المرض في الجزائر منعزلًا عن الاتجاه العام في المنطقة، حيث ظهر في اليمن، بعد انهيار النظام الصحي وتفكك البنى الأساسية بفعل الحرب والصراع، حين سجلت وزارة الصحة العامة بين أكتوبر 2017 وديسمبر 2020 نحو 6765 حالة اشتباه بالدفتيريا، بينها 429 وفاة.
في فترة أقصر عام 2023 أعلنت منظمة الصحة العالمية عن 1671 حالة اشتباه و109 وفاة، وكانت الفئة الأكثر تأثرًا في سن 6–15 سنة، لكن الفئات الأصغر خطرها أعلى عندما تكون معدّلات التلقيح منخفضة.
تعود هذه الزيادة إلى تعطل برامج التطعيم وصعوبة الوصول إلى المناطق المحاصرة، ما جعل الدفتيريا أحد أبرز أعراض انهيار النظام الصحي، في مناطق النزاع، لم يكن الوصول إلى اللقاح ممكنًا دائمًا، والمرافق الصحية كثيرًا ما تكون مدمّرة أو مهملة، مما خلق بيئة خصبة لعودة “الأمراض التي ظنّنا أننا تغلبنا عليها”.